العميد شعلان.. البطل الذي أرهق أحفاد الإمامة ودحر فلولها في بلق مأرب     قيادي بحزب الإصلاح: مأرب تخوض معركة اليمنيين الفاصلة     مطالبات محلية ودولية لوقف استهداف الحوثيين للنازحين في مأرب     الجيش يصد هجوم الحوثيين بنهم ويدعو الصليب الأحمر لانتشال جثث القتلى بالجوف     عائلة عفاش حين أفسدت الماضي والحاضر     تقدم كبير للجيش في الجوف وعشرات القتلى الجرحى في صفوف الحوثيين     محافظ شبوة يدشن أعمال سفلتة مشروع طريق نعضة السليم     هل تفي الولايات المتحدة بوعدها في وقف الحرب باليمن؟     الحوثيون يفشلون مشاورات اتفاق الأسرى والمختطفين في الأردن     ملامح إنهاء الحرب في اليمن والدور المشبوه للأمم المتحدة     معارك ضارية في مأرب والجوف واشتعال جبهة مريس بالضالع     رحلة جديدة في المريخ.. استكشفا الحياة (ترجمة خاصة)     ملامح إسقاط مشروع الحوثي من الداخل     لماذا خسر الحوثيون معركة مأرب وما هي أهم دوافعهم للحرب     حرب مأرب كغطاء لصراعات كسر العظم داخل بنية جماعة الحوثي    

الإثنين, 31 أغسطس, 2015 05:55:08 مساءً

على مدى أزيد من خمسين عامًا مضت، من قيام ثورة الـ26 سبتمبر عام 1962م، هاهم اليمنيون يعودون إلى مربع الصفر ومربع البداية من جديد، في البحث عن الدولة والحرية والكرامة والنظام والقانون، ككل العرب الذي فشلت كل تجاربهم السياسية يسارًا ويمينًا.
 
لكن المؤسف في اليمن أن يبقى الحديث عن العودة إلى مربع الصفر ليس من قبيل التهويل وعدم الموضوعية بقدر ما هو حديث موضوعي ومنهجي في توصيف هذه اللحظة اليمنية والعربية، والتي ستظل تتكرر طالما ظللنا نقارب حلولها من الزاوية الأولى نفسها، وهي زاوية التكتيك والفهلوة السياسية التي لا تبني وطنًا ولا تعمر بلدًا بقدر ما تؤجل مشاكله وتعاظم تضحيات أبنائه.
 
ففي الحالة اليمنية، تتجلى صورة الفهلوة السياسية بشكل كبير على مستويين متوازيين المستوى الداخلي المتعلق بنخبة السياسة اليمنية والمستوى الخارجي المتعلق بالنخبة السياسية الحاكمة في الجوار الخليجي والمملكة العربية السعودية تحديدًا.
 
لا نريد العودة إلى الماضي بقدر ما نريد أن نستلهم تجاربه وعبره وعظاته التي ينبغي الاستفادة منها بعدم تكرارها مرة أخرى والوقوع في أزمات كبرى تتعاظم مع الأيام و تكبر حتى يصعب حلها أو الاقتراب منها.
 
ما أقصده هنا، هو أن ثورة عظيمة قامت في اليمن منذ عام 1962م، وهي ثورة سبتمبر أيلول العظيمة، هذا الثورة التي وقف الجميع في وجهها حينما انفجرت في وجه ظلم وطغيان وكهانة وكهنوتية سيطرت على مجتمع شمال الشمال اليمني لأكثر من ألف عام.
 
فوقف حكام المملكة العربية السعودية حينها بقوة إلى جانب استعادة ملكية بيت حميد الدين الزيدية “الشيعية”، ولهذا الموقف ملابساته وظروفه التاريخية التي لا يمكن محاكمتها بمنطق هذه اللحظة ومنطلقاتها.
 
بيد أن ما حدث في الداخل اليمني بعد تلك الثورة التي كان يفترض بها أن تحسم طريقها لاستكمال كل أهدافها المرفوعة حينها، من الجمهورية والحرية والكرامة والعدالة والمساواة كلها ذهبت أدراج الرياح؛ حيث ظلت شعارات مرفوعة وواقعًا مغايرًا لها، حتى حانت لحظة 11 فبراير 2011م لتستعيد روح ثورة 26 سبتمبر.
 
إلا أن الانتكاسة التي لم يكن البعض ربما يدرك أن ثمة مشروعًا كامنًا يراقب المشهد عن قرب، هذا المشروع الكهنوتي الذي تلبس ثوب الجمهورية وتوغل في مؤسسات الدولة وشوّه القيم الثورية لجمهورية سبتمبر.
 
وكانت محطة المصالحة الوطنية التي أطلقوا عليها بالمصالحة الملكية الجمهورية في عام 1970م، هي المحطة التي أسست لكل هذا الخراب والدمار الذي أوصل اليمن اليوم إلى ما هي فيه من دمار وخراب وارتداد نحو الماضي بما لا يقل عن مئة عام إلى الوراء.
 
تلك اللحظة هي نفسها التي تكررت عقب ثورة 11 فبراير 2011م بما أطلق عليها بالمبادرة الخليجية التي حاولت تكرار تجربة مصالحة 1970م، وبطريقة أكثر سطحية من مصالحة السبعينيات.
 
بالمختصر، ما يدور اليوم في اليمن هو المعركة التي أجلها اليمنيون لأكثر من خمسين عامًا مع بذرة التخلف والهمجية، والانحطاط السياسي والديني والاجتماعي، تلك الفكرة التي تحولت إلى جسر للمشروع الإيراني إلى المنطقة العربية والخليج، حيث تكمن تحت رمال استقراره خميرة الفوضى الطائفية.
 
ما يجري في اليمن أيضًا ليس معركة اليمنيين وحدهم فحسب؛ بل هي معركة كل المجتمعات الخليجية، تلك المجتمعات التي وجدت نفسها فجأة تمر بطفرة مالية خيالية في مجتمع تغيب فيه ثقافة الدولة ومؤسساتها، تغيب عنها ثقافة التنمية ومهاراتها، هي معركة التنمية المؤجلة والاستقرار السياسي المؤجل وغياب وجود الرؤى والاستراتيجيات.
 
لقد عاش الإخوة الخليجيون حالة من رفاه ظنوا بها أنهم في بمعزل عن مشاكل اليمن و العرب من حولهم، ظنوا أنهم مجتمعات ستحميها الوفرة المالية وتدفق النفط الدائم إلى بلاد العالم الذي سيظل ينتظر كرم العربي وسخاءه بالذهب الأسود.
 
تحولات المشهد العربي من خمسة أعوام 2011م حتى اللحظة، كفيلة ليس بتغيير الرؤيا والتصورات والاستراتجيات على افتراض وجودها؛ بل تغيير القناعات والمسلمات التي أثبتت تناقضاتها مع ناموس الكون وقوانينه، وإننا أمام تحديات وجودية كبيرة وفي مقدمتها استعادة كرامة وحرية الإنسان العربي المهدورة أولًا، والبحث عن دولته ثانيًا، دولة العدالة والنظام والقانون والمساواة.
 
مرحلة عصيبة تمر بها الأمة العربية كلها وفي مقدمتها مجتمعات الخليج العربي التي ينبغي أن تعيد حساباتها حول كثير من مسلماتها، وهي أنها ليست مجتمعات معزولة عن محيطها، وأن معركة التنمية والاستقرار السياسي هي الوسيلة الوحيدة لأمنها واستقرارها، ومساعدة الآخرين على بناء دولهم هي أيضًا مقدمة صحيحة لبناء الاستقرار في المنطقة وحماية أنظمتها وأنماط حكمها.
 
فأي ذهاب اليوم نحو تأجيل حسم معركة بناء الدولة في اليمن ليس سوى فخ كبير سيؤدي بالمنطقة إلى الانفجار الأكبر الذي غدا اليوم قريب الحدوث، فيما لو تحقق لمشروع الفوضى الإيراني شيء من نجاح وقليل من الاستقرار في اليمن.


غريفيث