الجمعة, 28 أغسطس, 2015 10:57:36 صباحاً

في الوقت الذي انطلقت فيه المقاومة الشعبية بتعز في أعمالها القتالية ضد مليشيات الحوثي وصالح لتحرير تعز وتخفيف الضغط عن عدن .. لم تجد اليوم من يخفف آلامها ويمسح دمعتها ويضمد جراحها ويلملم أوجاعها .. الأمر الذي نتج عنه معاناة شديدة وجروح عميقة .. فالمليشيات رمت بكل ثقلها لتصب حقدها الطائفي المناطقي على تعز .. دمها ينزف ولحمها مباح .. على مرآى ومسمع . وللوقوف على أسباب وتداعيات تأخر حسم معركة تعز وبوادر انتصارها الحتمي نورد التحليل التالي في حلقته الخامسة .
 
-أدرك التحالف منذ وقت مبكر خطر القتال في الجهة الغربية لتعز لقربها من ميناء المخأ وامتدادها إلى باب المندب وخطر فتح جبهة من قبل المقاومة لتنفيذ أعمال مسلحة ضد مليشيات الحوثي وصالح والتي قد تؤدي إلى تأثيرات سلبية على خطوط الملاحة الدولية -هاجس مصر- باتجاهين: الأول خوفها من تأثير الأعمال المسلحة على باب المندب وخطوط الملاحة، والثاني ان أفراد المقاومة محسوبة على حزب الإصلاح وعلاقتهم بإخوان مصر واثر ذلك على باب المندب وقناة السويس في حال انتصرت المقاومة وفرضت سيطرتها على تعز، حيث سيكون بإمكانهم إحداث حالة من عدم الاستقرار وافتعال مشكلات بهدف الضغط على نظام السيسي، ولعل ذلك يفسر أكثر من 50% من تأخر تحرير تعز ، (وقد يكون ذلك تبرير لمصر من أجل تمرير قرارات دولية أو مشروعات أخرى بشأن باب المندب)، وبذلك سارع التحالف والرئيس هادي إلى تشكيل جيش نظامي وألوية عسكرية بالجهة الغربية بقيادة العميد عدنان الحمادي والعميد يوسف الشراجي لضمان ولائها للشرعية وانصياعها للتوجيهات والتعليمات من الحكومة والتزامها بتنسيق تحركاتها مع قوات التحالف، وهذه الرسالة يجب ان تتفهمها قيادة المقاومة الشعبية .
 
لعل تخوف مصر من تأثير الحرب على باب المندب والملاحة الدولية ليس أكثر من الاعتقاد السائد لديهم -الذي تشترك به مع الإمارات وأمريكا بل وتقوده الإمارات - ان انتصار تعز يعني انتصار المقاومة وان انتصار المقاومة يعني انتصار حزب الإصلاح الإخواني (لان معظم أفراد المقاومة وقائدها ينتمون للإصلاح) وان انتصار المقاومة يعني سيطرة الإصلاح على تعز المعروفة بكثافتها السكانية والمتميزة بوزنها السياسي وتأثيرها الجماهيري وموقعها الجغرافي وذلك يعتبر بمثابة مفتاح وصول حزب الإصلاح الاخواني الى السلطة أو سيكون لها له الصوت الأعلى، ويدعم ذلك سيطرتها التامة على الجبهة الشرقية في مأرب. وربما تتزايد مخاوف الامارات ومصر إذا ما صاحب ذلك دعم قيادة المملكة للاصلاح تحت ضغط الحرب وتمكينه من الإمساك بزمام المبادرة لمواجهة مليشيات الحوثي فكرياً وعسكرياً مستقبلاً.
 
 من وجهة نظري فان اعتقاد تلك الدول حول تعز غير صحيح وبعيد عن الواقع تماماً، وهو تسطيح للأمور وتجاهل التنوع الثقافي والحضاري بتعز وتحجيم وعيها التاريخي وثقافتها ومدنيتها وتهميش دور أبناء تعز الأحرار وتغييب الجزء الأكبر والسواد الأعظم من أبطال المقاومة، وأوكد أن هذه الدول واقعة في خطأ كبير من خلال اختزال المقاومة بالإصلاح وأكثر من ذلك اختزال تعز بالإصلاح فتعز ليست كذلك ولن تكون كذلك، وليس المجال هنا لمناقشة هذا الموضوع .
 
تعتبر بعض الأطراف الدولية أن الحرب والصراع باليمن مصيدة للسعودية ودول التحالف العربي، وتسعى لإطالة أمد الحرب والصراع، لمعرفتهم ان تحرير تعز نقطة فاصلة في الحرب الدائرة على مستوى اليمن، وسيقلب موازين القوة ، وان ذلك سيعجل بانهزام المليشيات الانقلابية في العاصمة والمحافظات الشمالية والغربية بل إن بعضها ستتحرر تلقائياً، وسيساعد في ذلك امتلاك تعز واب قوة بشرية هائلة واستعداد شبابها ورجالها لقتال المليشيات والقاعدة بكل الجبهات في مختلف المحافظات الشمالية والجنوبية دون تمييز لفرض هيبة الدولة ومن اجل بسط سيطرة الدولة على كامل الأراضي اليمنية لتحقيق الهدف الوطني الكبير المتمثل ببناء دولة اتحادية تقوم على أساس الشراكة الحقيقية تطبق فيها النظام والقانون والعدل والمساواة، خصوصاً إذا ما واكب ذلك جدية القوى السياسية اليمنية ومساندة التحالف العربي، وهو ما سيساعد في إخراج البلد مما يحاك لها .. كما هو الحال في الفخ الليبي أو المأزق السوري، وسيحد من مطالب فك الارتباط في الجنوب، الذي يدفع باتجاههما تحالف الحوثي وصالح ويمعنون في صنعه -بدعم من أطراف إقليمية ودولية- بعد مقاومة الشعب لتسلطهم واستبدادهم وإدراكهم فشل مشروعهم .
 
يمارس الأمريكان وبريطانيا وأطراف دولية أخرى ومعهم بعض دول التحالف ضغوطهم على السعودية ومؤسسة الرئاسة باتجاه عدم مواصلة تقدم الجيش الوطني والمقاومة من الجنوب الى تعز، والاكتفاء بما تم تحقيقه من انجاز في العند، والتحول الى محاربة القاعدة بعدن والجنوب وفرض السيطرة الكاملة للدولة وأسباب أخرى، وإتاحة مجال للمفاوضات لإيجاد حل سياسي .
 
اشتدت المعارك في تعز جعل التحالف العربي ومؤسسة الرئاسة والحكومة تحت ضغط شديد بمطالب تحرير تعز، وان تحريرها بحاجة إلى قرار سياسي وتأجيل حسم المعركة فيها لا مبرر له، وجعلها محل انتقادات كبيرة محلياً وإقليميا لتباطئها وتقاعسها خصوصاً مع تصاعد القصف العشوائي من قبل مليشيات الحوثي وصالح على أحياء تعز الآهلة بالسكان وسقوط قتلى وجرحى من المدنيين، واستغل البعض ان مؤسسة الرئاسة يهمها الجنوب وأنها اتجهت لتحرير شبوة لترتيب الانفصال .
 
 فوجئ الجميع بما فيهم أطراف محلية وإقليمية ودولية بما حققته المقاومة الشعبية من انتصارات ساحقة وانهزام عسكري للمليشيات وتحرير معظم أجزاء تعز بالإمكانات الذاتية، وان ذهب البعض بقوله انه تم دعم المقاومة بالسلاح هذه المرة دون إعلان وان صح ذلك فهو أيضاً يبقى دعماً محدوداً مقابل ما يملكه الطرف الآخر، ومن ناحية أخرى ذهب البعض الآخر بقوله ان مليشيات الحوثي وصالح انسحبت من تلقاء نفسها. لكن تثبت الأحداث الأخيرة بعد تحرير تعز - وما تعرضت له المدينة من قصف عشوائي دون هوادة، وتعزيز المليشيات بقوات كبيرة من صنعاء وبقائهم في بعض المواقع المحصنة كالقصر ومعسكر الأمن الخاص واستماتتهم بالدخول إلى بعض مواقعها ومحاولة السيطرة عليها مرة أخرى- بان المقاومة الشعبية بقيادة حمود المخلافي فاجأت الجميع بما فيهم دول التحالف العربي وأنها حررت المدينة ودحرت مليشيات الحوثي وصالح بسهمها التعزي ورجالها الأوفياء المخلصين وإيمانهم الحتمي بالنصر وصمودهم الفولاذي المنقطع النظير من خلال إمكاناتها الذاتية دون إنكار ما قيل أنها حصلت على دعم من التحالف.
 
الأمر ذاته أوقع قيادة التحالف العربي تحت ضغط اشد وموقف محرج في ظل حصار شديد لتعز والقصف العشوائي لأحيائها وتردي الوضع الإنساني الى مستويات خطيرة، والصمود الأسطوري للمقاومة الشعبية والجيش الوطني في صد هجمات المليشيات وإيقاف تقدمها رغم قلة التسليح والإمكانيات، وإبداء المقاومة استعدادها وتكرار طلبها للتحالف بدعمها بالسلاح وإسنادها بالضربات الجوية وانها جاهزة لتحرير تعز وفك الحصار عنها.. ووجهت انتقادات محلية وإقليمية للتحالف بأنه خذل تعز. فبينما استغل إعلام الحوثي وصالح ذلك بان التحالف دعم تحرير عدن والجنوب وتركت تعز تضرب ولم يحرك ساكناً لأنه يريد فرض الانفصال، إلا ان أبناء تعز ردت على تلك الأقاويل بالسخرية والاستهجان .
 
 إن الضغوط الواقعة على السعودية باتجاه عدم تحرير تعز من بعض دول التحالف كمصر والإمارات وأطراف دولية كانت اشد من الضغوط باتجاه تحريرها، ويعتقد ان الضغوط وصلت الى حد بعيد لم تكن تتصوره السعودية، مما جعلها تتريث مزيد من الوقت مع عزمها على دعم المقاومة لتحرير تعز... وذلك يفسر عدم التحرك الجاد من الطيران الحربي للتحالف لقصف مواقع مليشيات الحوثي وصالح في تعز فقد كانت المعارك والمواجهات على اشدها في تعز خلال 5-17 أغسطس 2015م، كما لم يتم اسناد المقاومة كما ينبغي او دعمها بالسلاح الذي يهيئ لتحريرها -وهو ما اثار استغراب المراقبين والمحللين السياسيين والعسكريين- كما ان التحالف على علم بحجم الترسانة العسكرية للمليشيات فقد انسحبت كل الأولوية التي كانت مرابطة في عدن ولحج والضالع الى تعز وتشديد الحصار عليها وتردي الأوضاع الإنسانية فيها، ورافق ذلك شدة القصف العشوائي من المليشيات على مدينة تعز ...
 
 بل ان الذي دفع السعودية الى مزيد من التصميم والعزم في دعم المقاومة وتحرير تعز رغم الضغوطات هو تقدم المقاومة ودحر مليشيات الحوثي وصالح من أجزاء كبيرة من تعز واقترابها من الانتصار الكامل، ومحاولة المليشيات استعادة المدينة واستخدام القصف العشوائي للاحياء وايقاع اكبر عدد من الضحايا المدنيين وبث الرعب والخوف في اوساط المدينين لممارسة الضغط على المقاومة للتراجع ... مما وضع السعودية أمام امر واقع وفي موقف حرج جداً لا يقبل المساومة ولا يحتمل التأخير بضرورة التحرك العاجل لدعم واسناد المقاومة للحفاظ على الانتصار واستكمال تحرير المدينة من ناحية، والموقف الأخلاقي الذي يحتم الوقوف في وجه جرائم المليشيات للدفاع عن المدنيين من ناحية أخرى .
 
وهو الموقف الذي اثار خلافات داخل دول التحالف وليس مبالغة إن قلنا بان تصميم السعودية وسيرها منفردة باتجاه استكمال تحرير تعز ربما انه سيؤدي إلى إحداث شروخ كبيرة في جدار التحالف العربي الذي هو في طور التكوين والإنشاء، وربما ستسوء العلاقة أكثر بين دول التحالف .
 
 استشعرت السعودية تقصيرها مع تعز وما تعانيه المدينة وسكانها من دمار وقصف وارتفاع درجة الخطر إلى أعلى مستوياته، وكان لا بد من التفكير بخيارات واتخاذ خطوات تتناسب مع الموقف لتخفيف الضغط عن تعز وتضعف هجمات المليشيات وتربك تحركاتها وتحدث تأثيرات اكبر وضربات أقوى وأعمق بالمليشيات تؤتي أكلها سريعاً ... وتفادياً لإثارة الخلافات وتجنب الصدام مع دول التحالف وبعض الأطراف الدولية وللحفاظ على استمرارية التحالف..
 
الأمر الذي دفع السعودية إلى اتخاذ خطوات تصعيدية عسكرية غير مسبوقة وغير متوقعة بإنشاء مطار عسكري لطائرات الاباتشي في مأرب ودعم المقاومة والجيش بتلك الجبهة بعدد كبير من المدرعات والدبابات والآليات العسكرية وإعلان معركة الحسم بصنعاء .


قضايا وآراء
مأرب التاريخ تحمي سبتمبر والجمهورية من الإمامة