السبت, 22 أغسطس, 2015 11:05:03 مساءً

أكثر من ستة آلاف غارة جوية، إضافة إلى الاستنزاف على الأرض لأكثر من أربعة أشهر، وفي كل الجهات، قوّضت جيش علي عبدالله صالح وميليشيا "أنصار الله" الحوثيين. فقتلت الرجال، وأعطبت الآليات، وقطّعت شبكات الاتصالات، واستنزفت الشجاعة والمال والصبر، وراكمت الخسارات والأعداء. هذه هي الصورة الإجمالية او العامة للقوتين حالياً. بقي منهما، بعد كل ذلك، بناء هشّ منهك. وما إن دفعت مقاومة مدينة إب، في وسط اليمن، الباب، حتى انهار كل ذلك البناء. في لحظة الانهيار تحسّس مَن بقي مع صالح والحوثي رؤوسهم: "انجُ سعد فقد هلك سعيد". حارب الرجلان بالمرتزقة. أربعة أشهر في الجبهة هو عمل عظيم بالنسبة إلى مسلّح ذهب إلى الحرب لأجل مئة وخمسين دولاراً في الشهر.
 
يعلم صالح أن الحبل يقترب من عنقه. وكذلك عبد الملك الحوثي. ولو بالمعنى بالتاريخي: فمع أولى طلائع المقاومة التي ستدخل صنعاء سيخلّد اسم صالح كأقذر رجل مرّ في تاريخ اليمن. سيبقى عرضة للاغتيال المعنوي كلّ يوم، وحتى الأبد، ويوم يتلوه. أما الحوثي فلن ينجو. ظهر في صعدة، وعمّا قليل لن تبقى له سوى صعدة. لكن صعدة الراهنة تختلف عن صعدة أيلول 2014.
 
في ذلك الشهر من العام الفائت كانت صعدة تعج بنحو خمسة وستين في المئة من ترسانة الجيش اليمني النظامي، ومئات المخازن والآلات الثقيلة التي حصلت عليها صعدة عبر حلفائها الخارجيين.
 
في 2014 أعلنت أميركا فقدانها الاتصال بصفقة أسلحة متطورة كانت متجهة إلى وزارة الدفاع اليمنية. لقد ذهبت إلى صعدة، وكانت قيمتها نصف مليار دولار. ولم تكن تلك الصفقة الضخمة سوى أحد مخازن السلاح في صعدة.
 
ليس السلاح فقط هو ما تعرض للفناء في صعدة, كذلك الرجال, عندما اقترب الحوثي من عمران كان يملك نحو ثلاثين ألفاً من المحاربين المدرّبين. أولئك أرسلهم إلى الموت في كل مكان, لقوا حتفهم في بيحان والمعلا ولودر وتعز والحديدة ومكيراس ومأرب... إلخ. بقيت زوجاتهم فقط في صعدة. وخلف زوجاتهم يختبئ عبد الملك الحوثي.
 
لقد هدم عبد الملك الحوثي أسوار مدينته المقدسة وبقي وحيداً. بقي له المرتزقة الذين يبحثون الآن عن أفضل الأناشيد الوطنية التي غنّاها أيوب طارش.
 
المقاومة التي ستدخل قريباً شارع الزبيري في صنعاء، ستنحت أكثر الصور بؤساً وقذارة لعبد الملك الحوثي لمدة ألف عام. وستصبح الحوثية حركة مجرمة في القانون. حتى سلالته الرفيعة ستعيش مستقبلاً في غيتوات خاصة على طريقة اليهود في أحياء وارسو القديمة. هذه مآلات اعتيادية، كما في التاريخ، لكل الإثنيات الاصطفائية المسكونة بالضلالات والعنف، التي تحمل مشاعر فوق وطنية أو ما دون وطنية.
 
لا يحب أحدُ أن ينال ذلك المصير. غير أن العيون المطفأة لعشرات الآف اليمنيين ستلعن تلك السلالات لأمد بعيد.
 
أنهار صالح. انهار الحوثي. انهار المرتزقة. انهارت الخرافة أمام شعب قوي، صلف وصلب، وذي شكيمة.
 
البارحة قلتُ لرفيقتي: الانتهازي يقاتل للحصول على مزيد من الامتياز والنفوذ.
 
المهزوم يقاتل ليبقى حيّاً.
غريزتان تصارعتا: غريزة البقاء في مواجهة غريزة الهيمنة. غريزة البقاء أكثر بأساً وصلابة وشراسة من غريزة الاستحواذ.
ذلك لأن الأولى ليس خلفها من شيء، بخلاف غريزة الاستحواذ.
 
يريدون بيع فكرة ساذجة تقول إن هزيمة صالح الراهنة، وحليفه الحوثي، سببها انسحاب جيشه ضمن صفقة سياسية.
يا لها من نكتة سخيفة.
 
فقد أبلغني العميد ركن الصفواني، الناطق باسم الحرس الجمهوري، عبر ابن عمّه قبل أيام: يا عزيزي لم يعد هناك من حرس جمهوري، لقد انهار كل شيء، وانتهى أمره.
 
صدّقتُ ما قاله الصفواني. فقد أسقط طيران التحالف على مدى أشهر آلاف الأطنان من المتفجرات الحديثة والصواريخ الذكية على أرض مكشوفة وترسانة بلا غطاء.
انتهى كل شيء، وصالح يعرف ذلك.
 
حدث الانهيار المفاجئ في إب مع خروج ثاني دفعة من أسرة صالح إلى الخارج. القادة الذين كانوا يوجّهون الميليشيا في المدن اختفوا فجأةً من صنعاء وما حولها. لقد فرّوا خارج اليمن، فهرب من بقي من رجالهم. كل ما خلفهم صار خراباً، خراباً يبعث البؤس العميق في الروح والخوف في العظام. لذلك فرّوا
 
ليس من إب وحدها, حتى في البيضاء هرب من بقي من المرتزقة والمتحوثين من اللواء 117. في مكيراس حدث الامر نفسه. فرّوا من الثكن العسكرية والأمنية وتركوها فارغة خلفهم. تقول صحيفة "المصدر": "ذهب المواطنون لالتقاط الصور التذكارية في معسكرات الحرس الهارب". قبل مدة قصيرة وصلتني أخبار من جبهة شبوة: العميد ركن عبد الله الصبيحي يقف على مشارف مدينة بيحان في شبوة. بإمرته ستة آلاف مقاتل من الجيش الوطني والمقاومة الشعبية، ويجد مقاومة حوثية هشة وضعيفة لا تكاد تذكر.
 
لقد أصبحت قوة الحوثيين وصالح أثراً بعد عين. وصعدة، يا لها صعدة. لم تعد محوطة لا بالسلاح ولا بالمقاتلين. بقيت فيها المقابر والنساء والآلام. كانت قضية صعدة، دائماً، هي عبد الملك الحوثي. هو قضيتها ونكبتها. حل قضية صعدة يقتضي القضاء على تلك السلالة السامة من البشر. تلك هي قضية صعدة.
 
انهار صالح، انهار الحوثي، وبقيت التفاصيل الصغيرة.
أما الطريق إلى صنعاء فصار أخيراً مسألة محض بيروقراطية!
ويا لها من دراما. تصبحون على خير!


قضايا وآراء
مأرب