استهداف الحوثيين لأبوظبي يعكس الهشاشة في الدفاعات الجوية لدى دول التحالف     ضربات جوية للتحالف على صنعاء هي الأعنف منذ سنوات     عصابة مسلحة تقتل منير النوفاني وجماعة الحوثي تماطل بالقبض على القتلة     صراع الحوثية والأقيال بين التحدي والاستجابة     تشديد الخناق على الحوثيين في مأرب بعد تحول سير المعركة من الدفاع للهجوم     هل كتب عبدالله عبدالعالم مذكراته؟     شرطة تعز تضبط متهم بانتشال حقائب نساء     كيف خدع الغشمي عبدالله عبدالعالم     أحداث 13 يناير.. إرهاب حزبي مناطقي بلباس ماركسي     إيران تبادر لعودة التواصل مع السعودية والأخيرة تواصل وقف التصعيد الإعلامي     انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان في اليمن والأمم المتحدة تواصل إخفاء الفاعلين     بعد تعطيله لـ 7 سنوات.. هبوط أول طائرة في مطار عتق     جماعة الحوثي تُمنح 6 ساعات لمغادرة آخر منطقة بشبوة     تدخلات السعودية والإمارات.. اغتيال سيادة اليمن     تعرف على جبهات الحرب بمحافظة شبوة خلال يومي الأربعاء والخميس    

الثلاثاء, 06 يناير, 2015 07:47:18 مساءً

أثار مقال الكاتب مروان الغفوري المعنون بـ" ما ينبغي أن يعلمه الرسول، الليلة" جدلا واسعا وردود أفعال غاضبة بل ومتشنجة أحيانا، وبعد قراءة متأنية للمقال في سياقاته الذاتية والموضوعية والمقاصدية خلصت لجملة من الإضاءات:

- المقال يعالج قضية جوهرية بالغة الخطورة بلغة مستفزة وناسفة، هي في الأساس لون أصيل في شخصية الغفوري الكاتب الروائي والطبيب. فلغة الروائي عادة ما تتسم بالقفز والوثب، والإلغاز والمجاز، والرزمية والخيال، والتلميح والتلويح، والبلاغة والمبالغة، الاندياح والانزياح.

فيما تتسم لغة الطبيب بالصراحة والشجاعة والتوصيف الدقيق للحالة المرضية التي بين يديه باعتبار ذلك شرط أساس لكتابة الروشتة الأكثر فعالية لمجابهة المرض. ومن ثم فإن محاكمة لغة الرواية والطب وفقا لشروط وملابسات لغة الفقها وقوالب الفقه التي تقوم على التقشف البلاغي وتحرير المصطلحات وصياغة أحكام عامة لوقائع يجري تكيفها لاحقا- حين تولد- وفقا لقواعد التراث الفقهي المسطورة والمحفوظة، إن هكذا محاكمة هي أقرب ما تكون لمحاكمة رجل مدني أمام محكمة عسكرية، كما أننا نقع في خطأ التناظر المعكوس حين نحاكم لغة الفقه وفقا لمعايير لغة الرواية.

- الكاتب الروائي يراع متمرد وفكرة جامحة وضوء مجنون يصر على تناوش المستحيل، وصراع طواحين الهواء وكسر عنق المسلمات الظنية، وترويض النجوم على الرقص، والأشجار على البوح، وتعليب السراب، وصهر الجمود وصولا إلى حالة التسامي.

وهو كائن حبري عنيد، يخوض البحر رفضا للحرب، ويشنع الحرب انتصارا للبحر.وهو قلب شاهق ينزف أبجدية استعصاء، وزرنيخ غواية، وعطر حياة.. يستدل بالنهد على كروية الأرض، ويتحرش بالتفاحة من أجل تقليم أظافر البرتقال. وهو حرف ذابح وفؤاد حافي، وفارس جوال يصنع من حقول الياسمين قلاعا ومدائن، وينحت من قوس قزح دعائما لمملكته الممتدة على حافة التماهي بين الواقع والخيال.

- أما الفقيه فلون حياتي مغاير ونقيض للروائي، لون يرتدي معطف الدين، يروزن الوقائع بأنامل الحلال والحرام، ويجتهد في توصيف المعطيات من خلال عرضها على فهمه للنصوص وقوالب المحفوظات من تراث الأولين.

كما إنه إنسان عادة ما يتسم بالحدية والصرامة، يستمد حضوره من سلطان الرب، وينظر لمفردات الحياة بعيني الجنة والنار.
- حين تخضع مملكة الروائي لسلطان الفقيه التقليدي المطلق تجف شلالات الزهو والجمال، وحين يخضع حضور الفقيه لسلطان الروائي تميع سطوة البهاء والجلال، وبالتعايش الخلاق بين هاذين اللونين تغدو الحياة دفق سكينة، وحركة بناء.

- وعودا على بدء يمكن القول أن الكاتب مروان الغفوري كرس مقاله لمعالجة خطيئة الصد عن سبيل الله التي يقترفها تيار واسع من بني الإسلام وتتمظهر في:
خصخصة الدين
التدين المغشوش
ارتداء لعنة المقت الرباني، لعنة الادعاء الكاذب، والقول العقيم (كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون)

يلاحظ القارئ أن الكاتب الغفوري تسلح في حربه على ثالوث الصد عن سبيل الله بمضع الطبيب، وحرارة الحرف، فهو ككاتب يدرك مدى تغلل هذه الظاهرة في المجتمع المسلم وهو كطبيب يدرك أن تغيير المسلمات الخاطئة في الوجدان المسلم تحتاج لهزة بقوة ست درجات على مقياس رختر، وقد صنع هذه الصدمة عبر تجييش الشواهد الصادمة التي صنعها سلوك ونهج الصد عن سبيل الله:
"إلى محمد رسول الله ..

نجوى امرأة في الثلاثين من عمرها، لها طفلان. قالت إن اسمَك لم يعُد يثير فيها ذلك القدر من الرهبة والبهاء
وأنها لم تعُد مقتنعة بجدوى أن تحدث طفليها عنك
توفيق رجلٌ في السادسة والأربعين. كتب في صفحته يطالب سلالتك بالاعتراف بصنيعه. ذلك أنه، كما يقول، آمن بنبوّتك وكان سبباً في كسر العزلة المضروبة حولك. قال إنه كان سيهتدي إلى الله دون الحاجة إليك، وأنك كنتَ بحاجة إلى اعترافه لتقاوم أعداءك وتنجو من حصارِك. "لقد أسديت له صنيعاً سيتذكره للأبد" قال توفيق.

أما ياسمين، في الثامنة عشرة، فقالت إنها لم تعُد تصلي. وأن كل شيء خرافة" وهو من خلال عرضه لهذه المعطيات إنما يقوم بمهمة تشخيص المرض، وأمانة الطبيب تقتضي أن يكون دقيقا في تشخيصه، محبا للمريض ومعاد للمرض.

- التوقف عند السطور الأولى للمقال توقف غير عادل، يشبه الاقتصار على قراءة الشطر الأول من الآية القرآنية( ويل للمصلين) ومن يقرأ المقال حتى النهاية يلمس بوضوح الجهد المحترف الذي تذرع به الكاتب لكشف الوجه القبيح لخطيئة الصد عن سبيل الله والسطو المسلح على عالمية الرسالة واختزالها في "منويات البطنين" والتداعيات الكارثية التي أفضى إليها هذا السطو، والخصخصة، على النسيج الوطني، وكيان المجتمع المسلم القائم على فلسفة الجسد الواحد.." على سبيل المثال: ثمّة شاب يقول إنك جدّه، وأنك لن تكون سعيداً في قبرِك ما لم يكن هو سعيداً في حياته، هو فقط. أما سعادته فيفسّرها باسترداد حقّه. وأمّا حقّه فهو الملك.

نجلك ذاك قتل حتى الآن أكثر من 70 ألفاً من المسلمين اليمنيين. في الماضي قال ماركوس أوريليوس، الملك الروماني، لابنه: إن خطاياك كولد هي خطاياي كأب. ولا أدري هل ستحمل خطايا ابنك، كما فعل ماركوس أوريليوس، أم ستنكرها جملة. بالمناسبة: لا يزال الشاب ابنك يكدّس جبالاً من السلاح ويشتري أفواجاً من الناس، من الذين لا يقيمون الصلاة، ويستعد لقتل أناس جدد، أتذكر أنك قلتَ ذات مرّة لليمنيين بعد حربك في ثقيف، وانحيازك لقومك "لو شئتم لقلتم فلصَدقتم ولصُدّقتم: أتيتنا مخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك".

حسناً يا محمد، يا رسول الله. أولادك يقتلون عشرات الآلاف من اليمنيين، واليمنيّون يقولون لك، أتيتنا طريداً فآويناك. وعار أن يكون هذا جزاء اليمنيين"

- لا اتفق مع الكاتب في العديد من الإشارات التي وردت في المقال، لكن اختلافي معه لا يلغي صوابية حربه المقدسة، كما أنه لا يعفيني من إعمال عقلي، والاعتزاز بقيم الإسلام الأصيلة، ومن الأشياء التي أخالفه فيها: إخضاع معجزة المعراج لقوانين الرياضيات، لأني أدرك كما أنه يدرك أن الله الذي وضع هذه القوانين ليس سجين لها، فإرادته مطلقة، ولولا كسر هذه القوانين الطبيعية لما كان المعراج معجزة، مثلها مثل شق البحر لموسى، وإحياء عيسى للموتى بإذن الله.

نقطة أخرى ربما تؤخذ عليه من قبل الكثير وهي تبنية فرضية تساوي صيرورات البشر، ومآلاتهم الأخروية بغض النظر عن الفعل والدين "كنت من الناس الذين آمنوا بالرسالة التي جئتَ بها. وعندما أصبحت رجلاً ناضجاً تعاطفت مع كل شرائع العالم وعملتُ في مساعدة الناس على تجاوز آلامهم. ويوماً بعد يوم أصبح من الصعب أن أقنع عقلي بأن الإله الرحيم المؤمن الطيب القدّوس السلام الرحمن سيغلق أبواب الجنة ويترك مليارات البشر في جحيم أزلي. ماذا بقي له من الرحمة والقدوسية والسلام والطيبة، إذن؟

ومع ذلك فثمة وجه تأويل للفرضية يتجلى من خلال حملهذه الفققرة في المقال على المحمل الحسن، وهو مسلك معتبر خاصة حين توضع سيرة الرجل ومسيرة نصب العين.

ختاما كان أمام الغفوري وهو سيد الحرف أكثر من مسلك لكسب معركته مع المرض، لكنه فضل أن يكسب الحرب عبر المركب الصعب


قضايا وآراء
انتصار البيضاء