الثلاثاء, 11 أغسطس, 2015 04:27:29 مساءً

..
هناك حقيقة أولية ينبغي تذكرها باستمرار في شأن العلمانية، لأن الغفلة عنها تسبب اجترارا دوريا للحديث في شأن هذا المفهوم.. هذه الحقيقة هي أن العلمانية ليست مفهوما ناجزا ثابتا قارا في المعجم تم الاتفاق عليه في الوسط المعرفي، وإنما هي متتالية تاريخية، أخذت في كل فترة تجليا خاصا، كما أخذت عند كثير من أصحابها حدودا مختلفة..

وبناء عليه لا يصح أن يتخذ المرء موقفا بالسلب أو بالإيجاب من الكلمة قبل أن يتعرف على حدها عند القائل. فإذا سمع هذه الكلمة تتردد على لسان أحدهم فليتوقف وليسأل: ما مفهوم العلمانية لديك؟.. وعلى ضوء الجواب يتحدد الموقف من المفهوم لا من الكلمة نفسها.

أما الدعوى التي أقدمها هنا، فهي أن العلمانية هي نقيض الحلولية لا نقيض الإسلام. على اعتبار أن العلمانية - في معظم تجلياتها ومستوياتها - هي الإيمان بأن للدين حدودا لا بد أن يقف عندها لتبدأ الدنيا.
ثم تتفاوت العلمانيات بعد ذلك في تصور هذه الحدود. أما الحلولية فهي عقيدة يؤمن أصحابها بأن الإله يحل في العالم، ثم تتفاوت الحلوليات في نسبة هذا الحلول وطبيعته.

 فالحلولية المتطرفة تعتقد أن الله يتجلى في كل ظواهر الوجود، بينما تعتقد الحلولية المعتدلة أن الله مفارق لمخلوقاته بذاته، ثم تمنح الحلول الشامل للفقه، بحيث يصبح الفقه - الذي يسمونه الشريعه - مهيمنا على حياة المكلف هيمنة تامة لا تترك لعقله ولا لضميره مجالا للحركة الحرة.

وهذا النموذج الأخير للحلولية هو الذي يؤمن به الفقهاء والشيوخ، اعتقادا منهم بأن الإسلام أطروحة قانونية شاملة، وهو خطأ محض لا أساس له في القرآن.. فالقرآن يقدم الإسلام بوصفه أطروحة قيمية - لا قانونية - شاملة.. والقرآن يعترف بوجود حدود فاصلة بين الدين والدنيا، أيا كانت هذه الحدود، وأيا كانت مساحتها.. والاعتراف بوجود تمايز بين ظاهرتي الدين والدنيا هو الخطوة الأولى في الاعتراف بالعلمانية..

أنني لا أبالغ إذا قلت إن العلمانية في صيغتها الثالثة من كمال التوحيد، وأن رفض كل صيغ العلمانية جملة هو وقوع في الحلول المناقض لطبيعة التوحيد.. وللحديث بقية في قادم المناسبات والأيام.


قضايا وآراء
مأرب