العميد شعلان.. البطل الذي أرهق أحفاد الإمامة ودحر فلولها في بلق مأرب     قيادي بحزب الإصلاح: مأرب تخوض معركة اليمنيين الفاصلة     مطالبات محلية ودولية لوقف استهداف الحوثيين للنازحين في مأرب     الجيش يصد هجوم الحوثيين بنهم ويدعو الصليب الأحمر لانتشال جثث القتلى بالجوف     عائلة عفاش حين أفسدت الماضي والحاضر     تقدم كبير للجيش في الجوف وعشرات القتلى الجرحى في صفوف الحوثيين     محافظ شبوة يدشن أعمال سفلتة مشروع طريق نعضة السليم     هل تفي الولايات المتحدة بوعدها في وقف الحرب باليمن؟     الحوثيون يفشلون مشاورات اتفاق الأسرى والمختطفين في الأردن     ملامح إنهاء الحرب في اليمن والدور المشبوه للأمم المتحدة     معارك ضارية في مأرب والجوف واشتعال جبهة مريس بالضالع     رحلة جديدة في المريخ.. استكشفا الحياة (ترجمة خاصة)     ملامح إسقاط مشروع الحوثي من الداخل     لماذا خسر الحوثيون معركة مأرب وما هي أهم دوافعهم للحرب     حرب مأرب كغطاء لصراعات كسر العظم داخل بنية جماعة الحوثي    

الأحد, 09 أغسطس, 2015 08:50:51 مساءً

في لحظة تاريخية غائمة الملامح قرأت أوصافها على وجوه الناس رعبًا وكمدًا من الحروب التي أكلت قلوب الناس وفتت أكبادهم، وأصبحت اليمن فيها أبعد ما تكون عن الوطن وأقرب ما تكون إلى السجن الكبير، في تلك اللحظة وتحديداً بالأمس عرجت إلى قلب أحد الإخوة الساكنين معي في إحدى مجموعات التواصل، فوجدته يشكو مرارة الأيام اليابسة والشهور العجاف.

ولم أكن أعلم أن ذلك الشخص بالذات وهو المملوء بالتفاؤل من أعلى صلعته حتى أخمص قدميه، ستلوي ذراعه صرامة الواقع وشؤم التوقعات، وستضعه خشيته من الانزلاق إلى المجهول في بيته وحيداً يتجافى عن المضاجع، بعد أن ذبحته أسعار الزبادي والتونة الغويزي.

فعلمت أن الله قد رحمني إذ أطلعني على من هو أكثر عنتًا وأشد مسغبةً مني، والإنسان تهون عليه المشقه ويرفع عنه قدر من البلاء عندما تمتزج أحزانه بآلام الآخرين.
 فالأرواح وحدها هي التي تمتزج مع نظائرها في السراء والضراء، أما أجسادنا الفارعة وابتساماتنا المصطنعة وثقتنا المزيفة بقدرتنا على خداع الآخرين وصرف أنظارهم عن رؤية حقيقة أحوالنا، فتخترق كثافتها نظرات العاقل الحصيف العارف بما يجهله الناس.

ومن أكرمه الله بذلك فهو الشقي في نظر الناس التقي في نظر نفسه، لأن الناس الذين هم أنا وأنت وفلان وعلان والأخ والصديق والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب، وأصدقاء الفيس، ومعاريف الواتس والمجتمع عموماً.
 كلنا نتعمد تفسير الأحداث من حولنا ونتعامل مع الآخرين أيًا كانوا وفقاً لقداسة أنفسنا وفرط أنانيتنا، مرورًا بنكهات "الأتكيت" ومرطبات "البريستيج" ، وتماشياً مع المثل الشعبي "كُبّ إلى شعوب".
فإذا ما سنحت للشخص منا مسافة خمسة ملي من دفق الضمير وقطرات العاطفة، يَرتُقُ الأغبياء محاسنهم، ويفلترون مشاعرهم، ولا يرسلون الحب إلى الناس إلا من خلال كاتم صوت، يظنون أنهم بذلك قد أسقطوا ما تمليه عليهم طقوس الأخوة ومناسك الصداقة.
وكم هو مؤلم أن تتداخل الأحداث في هذا الزمان بهذه الصورة النمطية الموحشة، وكم هو مخجل أن تضيع أصواتنا بين قساوة الجدران وموت الصدى، فتصبح الصرخات بلا صدى ويتعطل الفيزياء تحت ظرف دهشتنا.
وقديمًا كان ثمة قانون عرفي يستوطن النفوس ولا تحتويه دفاتر الحكومة، لا تزيد سطوره عن بضع كلمات لخصت حاجة المجتمع إلى الانسجام وفقاً لدواعي البقاء في منظومة الجسد الواحد.
 ذلك القانون هو ما جاء عن الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم "المؤمن للمؤمن كالبنان أو كالبنيان يشد بعضه بعضا"، فما بالنا إذن ونحن نتشدق بالمظاهر "ونفحط" بالعبارات منتهية الصلاحية في محاولة لدفع حاجة المحتاج وصرف النظر عن جراحات الناس والتلطف في معرفة احوالهم، تماشياً مع مقولة "دعمم تعيش".

وهل بقي من المروءة شيء إلا أن يفرح الكثير ممن حولنا لأنه فقط لا يزال يحفظ معاني الكلمات لأحاديث الأربعين النووية، في الوقت الذي يجمع فيه بين مصيبتين ميكافيلية الغاية تبرر الوسيلة وبرجماتية المصلحة أولًا، ذلك النسق من الرجال شجاع ومحنك في اتخاذ القرار الخاطئ في الوقت المناسب، وفحوى الخطأ نابعة من إصرار البعض على القفز فوق حواجز الدين والابتعاد عن مدلول الإنسان خدمة لنزوات الصراف الآلي والحياة الميكانيكية التي أخرجت الكثير منا عن سياق التراحم وبذل ما في اليد، إلى سياق البضائع والأرصدة وكروت الدفع المسبق.

كما أن جوهر المشكلة لا يقف عند ذلك الحد من افتراق الدين عن التدين، هل تعلمون أن الكثير ممن حولكم ممثلون بارعون، سأعود للتعميم، نحن جميعاً - إلا من اصطفاهم الله - ممثلون بالفطرة.

 لقد أصبحت حياتنا قائمة على مشاهد سينمائية تحت الطلب، نلجأ إليها في اللحظة التي نقرر فيها "المغالطة" فتأتي ردود أفعالنا باردة ساذجة التفاصيل، لأنها مرسومة سلفًا في أذهاننا التي تقودنا مكرهين لتجنب الوقوع في شَرك الالتزامات الاجتماعية "وشخطة الوجه" ذائعة الصيت، يظن البعض أنه بذلك يعزز مركزه المالي ومكانته الاجتماعية، وهو ما يدفع الساخطين من فئة "مثَوِي" الذين يعرفهم أهل صنعاء جيداً إلى استئجار أقبح الكلمات كذريعة للترويح عن أنفسهم ضد أولئك الأشخاص.
ولكني من خلال هذه السرد المؤلم لا أنسى أن أشير بأصابع التقدير نحو جنود مجهولين نذروا أنفسهم لسرقة آلام الناس وهم على ذلك الحال مستترين بأعمالهم لا تكشفهم الأوصاف ولا تحتويهم الكلمات، فطوبى للسارق وهنيئا للمسروق منه.

وقد يجد البعض في ثنايا المقال سطوراً مسكونة بالقسوة وكلمات حادة، لكنه حرص الناصح وإشفاق المحب، ولأجل ذلك روى لنا التاريخ أن أبا ذر الغفاري رضي الله عنه كان قاسيًا مثلي حينما قال " عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرًا سيفه"، وقد حانت لحظة إشهار السيوف، ليس من جهتي أنا فقد أدت كلماتي الغرض، وما أنا إلا جسر تعبر عليه الآم البسطاء من الناس، لكني أحكي عن المئات والألوف حوالينا من الذين قال الله عز وجل عنهم " يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف".
فإلى كل من استحق لقب إنسان خذها مني نصيحة مسلوقة أنضجتها نارٌ هادئة " توكل على الحي القيوم ولا تنتظر من الناس أكثر من إثبات حضور في مراسم تشييع جثمانك". وأسأل الله السلامة لنا ولكم.


غريفيث