عائلة عفاش حين أفسدت الماضي والحاضر     تقدم كبير للجيش في الجوف وعشرات القتلى الجرحى في صفوف الحوثيين     محافظ شبوة يدشن أعمال سفلتة مشروع طريق نعضة السليم     هل تفي الولايات المتحدة بوعدها في وقف الحرب باليمن؟     الحوثيون يفشلون مشاورات اتفاق الأسرى والمختطفين في الأردن     ملامح إنهاء الحرب في اليمن والدور المشبوه للأمم المتحدة     معارك ضارية في مأرب والجوف واشتعال جبهة مريس بالضالع     رحلة جديدة في المريخ.. استكشفا الحياة (ترجمة خاصة)     ملامح إسقاط مشروع الحوثي من الداخل     لماذا خسر الحوثيون معركة مأرب وما هي أهم دوافعهم للحرب     حرب مأرب كغطاء لصراعات كسر العظم داخل بنية جماعة الحوثي     أمن تعز يستعيد سيارة مخطوفة تابعة لمنظمة تعمل في مجال رعاية الأطفال     تقرير دولي: التساهل مع مرتكبي الانتهاكات يهدد أي اتفاق سلام في اليمن     الحكومة تدين قصف مليشيا الحوثي مخيما للنازحين في صرواح بمأرب     مرتزقة إيران حين يهربون بالتوصيف تجاه الأخرين    

الاربعاء, 05 أغسطس, 2015 08:39:02 مساءً

"لو وضعت ديانة خاصة بي، لجعلت التعصب الديني من أكبر الكبائر"

هكذا قال يوماً المفكر الفرنسي "فولتير"، عن التعصب الديني، فهو بالنسبة له من أكبر الكبائر، فالتعصب الديني يقدم التبريرات والمسوغات المتعددة التي تقود لعمل كل ما يمكن في سبيل تحقيق رضاه والجنة والنعيم، فالتعصب لله جزاءه ليس كأي جزاء والقابلية لتنفيذ تعاليمه ليست كأي تعاليم، وهل هناك أفضل من أن تتعصب لدينك وتنافح عنه وتقاتل من أجله كما يقول المتعصبون الدينيون !!؟.
 
التعصب بشكل عام شعور داخلي للشخص يرى فيه المتعصب انه لوحده على الحق والصواب وغيره الباطل والظلال، مهما كان هذا المنطق لدى الآخر وحجته، ومهما كانت قوته وعتاده. يظهر ذلك على شكل ممارسات لا عقلانية لا تستند على حجج قوية ومقنعة، والتعصب ليس نوعاً واحداً يمكن التعبير عنه، فهناك التعصب الديني والتعصب السياسي والعرقي والقبلي وغيره، وكل نوع له ما يشكله وله معتنقوه، لكن أكثر ما بات يظهر لنا في واقعنا العربي والإسلامي إن كل هذه الأنواع من التعصبات صارت تقريبا تسخر تبعاً للتعصب الديني والعقائدي، وليس المقصود فيه التعصب والدفاع عن الدين نفسه والالتفاف حوله؛ بقدر ما يقصد به التعصب للمذهب والفئة التي ينتمي لها الشخص وينافح عنها وتفسيراتها.
 
"التعصب" بالنسبة للجماعات الدينية هو في الأصل رمزاً للبذل والعطاء وعدم انتظار الجزاء؛ لأن المتعصب الديني أو المذهبي يقدم خدمات جليلة للجماعة والمذهب المنتمي إليه، ويمنحها شعوراً مريحاً بالعمل المشترك, بالتوازي مع ارتفاع سيل الحقد والكراهية ضد ذاك الخصم والآخر المختلف، ومع الوقت سنجد إن هؤلاء المتعصبون هم أكثر الناس ميلاً لسفك الدماء ونكران الآخر وعدم الإعتراف به وبأحقية وجوده.
 
والحقيقة إن التعصب على حد قول "راسل" مرض ذهني يصيب المجتمعات، لأنه لا يؤسس فقط لأشكال متنوعة من العنف والعنف المضاد، بل يفرز معه أيضا جمة من المشاكل والمثالب الاجتماعية المتعددة، ووقوع أي بلد في هذا المرض يجعل أمر الشفاء منه والتعافي من إفرازاته صعباً؛ فعلى سبيل المثال يفرز التعصب أو التعصب الديني حالة تعميمية لا عقلانية تجاه الآخرين وأفكارهم, وربما لا يمكن تعديلها مع الوقت بظهور دلائل وأفكار جديدة، فتبقى نفس النظرة ونفس الدرجة من العداء والتصلب والنظرة الغير سوية تجاه الآخر، ومن إفرازات التعصب أيضاً تغييب قيمة "العدالة" بما تفترضه هذه القيمة الأخلاقية من وجوب المساواة في المعاملة بين الأشخاص، وخلو التعامل من التمييز والإقصاء وضرورة حضور المشاعر الإنسانية النبيلة التي تجعل الشخص أكثر ميلاً للإحساس بالآخرين، والتعاطف مع ما قد يمرون به وما يعانوه، وليس تبريرا لما يمكن أن يحصل من أعمال منافية وتجويزها كما يحصل اليوم ليس لسبب، إلا لأنه ليس من نفس الفصيل الديني أو السياسي الذي ينتمي له.
 
ولا ننسى هنا أيضاً ما يمكن أن يفرزه التعصب على المستوى الفردي من غياب التفكير الناقد والموضوعي القائم على الدلائل والشواهد، وطغيان للشائعة على حساب الحقيقة وعدم تشغيل ملكة التفكير والتمحيص سواء في الدين أو السياسة وغيره، فضلاً عن التمركز حول الذات والاستمرار في رفض ما لدى الآخر  من حجج.
 
إن غياب قيم الحوار والتعايش في أي مجتمع ربما يكون احد أسبابه الهامة هو هذا الداء الذي ينخر جسد الكثير من مجتماعاتنا، وما يُزيد من حدة هذا الأمر وبروزه على السطح تعدد المجتمع مذهبياً وسياسيا،ً حيث يصعب فيه فرض الرأي الواحد المطلق، وهو الأمر الذي ربما تتفرع عنه العديد من المشكل والصراع باعتباره يؤسس لتقسيم مجتمعي تتمركز في ذهنيته تلك الثنائية من الحق والباطل والصواب والخطأ، بما يتضمنه هذا التقسيم من إطلاق ونظرة انغلاقية تنعدم فيها النظرة تجاه للآخر بتسامح وحسن نية وقبول ونسبية، سواء كان هذا الأمر على المستوى الديني او السياسي أو الأمور الاجتماعية البسيطة الأخرى.
 
إن بروز هذا النوع من التعصب في حياتنا ليس بالأمر الهين بحيث يمكن تجاهله، فتجاهله وتجاهل طرق معالجته يُفشل أي محاولة للخروج والتعافي من الحالة الصراعية الدينية والتنافسية السلبية، التي نعيشها، وبالإمكان ممارسة جهد توعوي تنويري يخفف من حدة الاختلاف والتباين، يعزل الدين والتفسيرات الدينية جانباً، وهو اقتناع في الأساس مِن إن إدخال الدين في كل قضايانا السياسية والاجتماعية يُزيد من حدة خلافاتنا تعقيداً واحتراباً، وكل ما نعيشه اليوم في حياتنا من صراع وتناحر واحتراب هو في حقيقته دينياً مذهبيا، والأطراف المتحاربة تعي هذا الجانب وتستند عليه، لذا نجدها تتجاذب وتحاول رفع راية الدين وتمثيل الله وتعاليمه.
 
وليس بخافي على الكثير إن ما تعيشه اليمن والعديد من البلدان العربية ليس بعيداً عن هذا السياق، وما ينبغي على الجميع إن يعلم هذه الحقيقة وضرورة التقارب بين جميع الأطراف والفئات بناء على هذا الأساس، فيعترف كلاً بحق الآخر والتعايش معه وعدم جدوى محاولة استئصال بعض واحتكار تفسيرات الدين وتمثيله، واستحالة استمرار هذا العداء وهذا التعالي، وضرورة أن يعي الجميع إننا باستمرارنا في التعصب والاحتراب الديني نفقد بعضنا بعضا، ولن يتبقى لنا في الأخير إلا أن نقتنع بعلمنة حياتنا ونعود ونتعايش ونقترب من بعضنا، نحافظ فيه على ما تبقى من مجتمعنا وتماسكه، ونشر ثقافة التسامح والتعايش والحوار، وتقبل فكر الآخر ومناقشته بموضوعية وتفكير ناقد مبني على الأدلة والشواهد المقنعة بعيداً عن التعصب المقيت الذي لا يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان والصراع.


غريفيث