الأعياد الوطنية.. ذاكرة شعب وجلاء كهنوت     قبيلة حجور تصدر بيانا حول اعتقال النقيب خليل الحجوري من قبل التحالف     "التهاني".. كجريمة بحق اليمن!     مؤامرة السهم الذهبي والمحافظة المزعومة     واشنطن تدين عودة مليشيا الحوثي إلى اختطاف موظفين في سفارتها بصنعاء     قصة الصرخة الحوثية "الموت لأمريكا"     فريق طبي بمستشفى يشفين ينجح في إجراء عملية معقدة لأحد المرضى     مركز المخا للدراسات الاستراتيجية يستضيف ورشة حول العلاقات اليمنية الصومالية     قراءة في دوافع انسحاب القوات المشتركة من الساحل الغربي ( تقدير موقف)     الإعلان عن تأسيس أول منظمة عالمية SYI للدفاع عن المهاجرين اليمنيين خارج وطنهم     معلومات وتفاصيل تكشف عن الأسباب الحقيقية لانسحاب القوات المشتركة المفاجئ في الحديدة     محمد آل جابر بريمر اليمن     تحرك دولي ومحلي واسع للتحقيق مع رئيس الوزراء معين عبدالملك في أكبر قضايا فساد     انتصار الريمي.. الإصرار على البقاء في زمن الحرب     معين عبدالملك لدى اليمنيين.. رئيس حكومة في عداد الموتى والمفقودين    

الأحد, 05 يوليو, 2015 08:40:10 مساءً

في الحقيقة حين أشرع في كتابة موضوع يتعلق بأزمتنا "السيا-اجتماعية"، أعتبر القيام بعمل كهذا حماقة مكتسبة بفراغ كئيب.
 
تتداخل الأفكار فأعجز عن تطويعها ويتعمق الأسف والقنوط اللذان يتولدان بسبب تكرار الكتابة والتحليل لمأزقنا العدمي هذا، كما أنني أعلم بأن المجتمع على استعداد للتضحية بالنفس أكثرمن استعداده لمراجعتها وممارسة النقد عليها.
 
 فلو سلطنا الضوء على واقعنا السياسي والاجتماعي مع الاستعانة بأدوات الحفر والتحليل لأدركنا حجم البؤس واستطالته ودرجة استعصاء اجتماعنا القائم ووعي المجتمع التمثلي، فكل الجدل والتنظير المطلق على عواهنه, ليس سوى محاولات بائسة لفهم وتشخيص الإشكال أشبه بصراع الطواحين, ولغط يعمل على تفريغ جوهر الموضوع من محتواه والأساس لفرضيتنا هذه, يتمثل في الوعي الجمعي الذي يفسر ويحمل عدمية واقعنا وسوء الأوضاع على السياسي والسياسة ومؤامراتهما، ونظراً لممارسة وتكرار هذا الموقف الإنكاري والهروب من المواجهة منذ عقود عدة, إن لم يكن منذ قرون فقد اعتاد واستمرأ, واكتفى المجتمع بإطلاق التهم والانتظار للمخلص وبمرور الوقت يزداد التعقيد عمقاً وتركيباً.
 
 لهذا نرى المجتمعات تدور حول نفسها أو كما عبر عنه الفيلسوف الفرنسي لابواسيه ( الناس أشقياء لمجرد أنهم جهلة ).. الأكثر غرابة أن المجتمعات ما زالت مصرة للخروج من النفق عن طريق تغيير قمة الهرم الاجتماعي مع أنه سبق وأن قاموا بذلك لمرات بخيارهم ومرات لأسباب خارج إرادتهم ووعيهم وتعايشوا مع أنواع عدة من أنظمة الحكم الفردية والشوفينية والشمولية والعسكرية والملكية والديموقراطية وغيرها ولم يزدهم ذلك إلا خسارا....!؟
 
يبدو لي أن الأمر مخيف وعلائقي جداً, ولو قمنا بوضع الاشكال تحت المجهر لاستطعنا ربما أن نلتقف جذوره ونتمكن إلى حد ما من معالجته، وسأبدأ بسؤال مفاهيمي، ما هو المجتمع وماذا يعني..؟
 
 لاشك أن المجتمع ببساطة عبارة عن تجمع بشري بيئي ضمن نطاق جغرافي نواته الفرد (المواطن) هؤلاء الأفراد ينتظم حالهم والمصالح المشتركة بينهم ونمط العلاقات التي نشأت بينهم وفق قوانين والتزامات وملزمات تعمل على سلامة اجتماعهم وحماية حقوق كل فرد، والكل في هذا التجمع الحر ليس بأفضل من أجزائه بعيداً عن منطق الغالبية والغلبة، وبناءً على ذلك فإن القيم القصوى هي قيم وحقوق وحريات الأفراد، وبما أن الفرد ذا إرادة مستقلة وقيم خاصة, فمن غير المعقول أن تكون هناك قيم ذات نهايات مغلقة، وعليه يتوجب على التنظيمات والقوانين المسيرة للمجتمع أن تراعي تفرداً وفردانية الأفراد؛ لكي يعمل الجسد الاجتماعي بشكل متناغم وفاعل.
 
 لهذا ومما سبق سطره تتجلى أمامنا أهمية الفرد والعمل عليه من أجل فهم أفضل للتشظي الاجتماعي وعجز المجتمعات على التغيير وغياب الفاعلية المجتمعية، أعتقد ويتفق معي الكثير - كما أظن - بأن الفرد في المجتمعات الريعية والتكافلية والأبوية يأتي إلى الحياة كنتاج لعملية اغتصاب مشرعن بسلطة التقليد الأعمى ومسلمات المجتمع ومساندة الدين وغلبة السلطة الذكورية عليه، ولذلك يخلو فعل الزواج ومن ثم التكاثر من الحرية والإبداع والمسؤولية، فعل تنعدم فيه مفاهيم القرار والخيار والمسؤولية والمستقبلية، تلك المفاهيم والمعاني, التي تمنحنا قيمة ومكانة تختلف عن سائر الكائنات, بالإضافة إلى حفظ البقاء بمسؤولية تجاه الحياة وأمام من هم حولنا.
 
ينشأ هذا الفرد والذي يمكنني أن أطلق عليه (المشروع الذي لم يفكر فيه ولا بما سيكون عليه وماذا ينتظر منه) في بيئة لم توفر ضروريات حياتها واستقرارها, لكنها تخفي بؤسها بقناعات لا تمت للحياة أو العقل بصلة وأن عجز عن التبرير استعان أصحاب هذا المشروع بالدين والسماء اللذين يقرران حصص الرزق واستحقاق الأفراد, منه ناهيك عن فضائل الصبر وعوائده الخيالية..!!
 
 ونتيجة لعجز الأسرة عن تقديم واجباتها والتصرف بما يعكس المسؤولية تجاه الأبناء (المشروع) يصبح التلسلط والعنف الملجأ الوحيد للهروب وفرض الواقع وإنكار الذنب ومصادرة الحقوق ويستغل الدين كمقوم انتمائي وثقافة شعبوية في تجنيب عديمي المسؤولية للمسؤولية الاجتماعية والاخلاقية (الامتثال، وجوب الطاعة، القضاء والقدر، القناعة والرضى وغيرها)، في هذه الأثناء تكتب بداية تدجين الفرد وقبوله بالاستبداد وتوريثه اللامسؤوليه، وكل ما ليس طبيعياً يتبينه على أنه طبيعي ومن سنن الكون، ولا سبيل لديه فقد أغلقت أمامه كلها, كان آخرها وقوعه تحت رحمه وديكتاتورية الأغلبية.
 
 وأخيراً وليس آخراً، ما نحصل عليه كعائد من هذا المشروع, وفي ظل هذه الشروط الحياتية ليس سوى فرد فاقد للانتماء، أناني إلى حد التطرف، لا وجود حيوي له ولاحياة، ولما كان عليه مواجهة واقعة التراجيدي، نراه يعتمد آلية بقاء كوميدية تقوم على التزلف والكذب وعدم احترام الحياة والعمل والعلم والبيئة، فنجده كخليه سرطانية تعمل وتنشط في سبيل تدمير الجسد الاجتماعي الذي تنتمي إليه، والأكثر سخرية وسفالة أن الفرد وفي ظل هذه المعطيات والامكانات ووسط هذا الوعي يجد نفسه معنياً وملزماً بتقديم كل شيء ومسؤول عن كل شيء, على سبيل الذكر بأن يكون نافعاً ومستقيماً يتحلى بأسمى الأخلاق وصاحب العلم والنجاحات والقادر على كسب المال الكثير والمعيل لعائلته وأبويه في الوقت الذي لم يعن أحد به ولم يحظ برعاية كاملة ولم ينشأ على المسؤولية ولم يلمس أي شيء يدل على أنه وجد ليكون قيمة في حد ذاته وصاحب دور في محيطه، أي أنه لا وجود لما يبرر الواجبات الملقاة عليه والإنجازات المطلوبه منه.
 
 لهذا تتحول طاقة الفرد الإبداعية إلى طاقة عكسية تعمل بشكل واع أو لا واعي على تشويه المجتمع بدافع الحفاظ على البقاء, عن طريق البحث, عن الخلاص الفردي فقط ولا شيء سواه وإلا لماذا تتفشى ظاهرة التخلي عن الالتزامات الاجتماعية وغياب التضامن الجمعي والنشاطات الطوعية ومحاولة الكسب, ولو على حساب الحياة نفسها أو مصالح الجميع، لكن الشيء الأكثر حزناً أن المستفيد من هذا كله هو الطغيان وأعوانه ، فالمجتمع الذي عرجنا في تفاصيله سلفاً يقدم خدمة مجانية لتأبيد الاستبداد والنظم المافوية؛ لأنها أصبحت اللاعب الوحيد في الساحة المجتمعية وهي القوة المحركة للمجتمع "الأرجوز"....؟؟!!
 
يتأتى من السياق السابق أن هذه المجتمعات تخلق طغاتها، "مازوخية" إلى حد التطرف، يذكرنا حالهم بالمجتمع الصقلي عندما رفعوا "دينيسيوس" إلى سدة الحكم لمنقذ للبلاد, فتسمى باسم القائد ثم الملك ثم الملك المطلق ثم ليأخذ اسم الطاغية في التاريخ..؟!.


قضايا وآراء
انتصار البيضاء