السبت, 04 يوليو, 2015 01:47:11 صباحاً

حين تشاهد صور ضحايا القصف من المدنيين بمدينة عدن يتبادر إلى ذهنك مشاهد مماثلة رأيتها عبر شاشات التلفزة في فلسطين أو سوريا وسيتأكد لك حينها أن هذا هو حال المدينة التي كانت توصف بـ «ثغر اليمن الباسم», بعد أن باتت صور أشلاء المدنيين إحدى يوميات حياة العدنيين البسطاء منذ اجتياح مليشيا الحوثي وقوات حليفها الرئيس المخلوع.
 
هل زرت عدن من قبل؟ إن كانت الإجابة بلا فيمكنك رفقتنا في هذه الرحلة لتعرف كيف غزاها الحوثيون بحثا عما يسمونهم الدواعش في حواري كريتر التي تفوح منه روائح البخور العدني لكنها اليوم تشكو حالها وتقارن نفسها بعين العرب (كوباني) بعد أن تغيرت ملامحها وتهدمت منازلها وباتت روائح الدم تزكم الأنوف, بل قل المدينة لم تعد قادرة على الحياة وهي ترزح تحت حصار خانق يمنع حتى دخول الخضار. منذ أشهر والحوثيون يحيلون مدن عدن الجميلة إلى مدن خراب ودمار وأهلها إلى نازحين وخائفين وبعضهم ذهبوا بهم إلى عالم الموت وتركوا أسرهم تبكي عليهم وتتذكر كيف كانوا معا يلعبون ويضحكون في أجمل الأوقات بساحل أبين!!
 
ربما يقارن اليوم سكان عدن واقعهم في زمن احتلال الحوثي وبين زمن الاحتلال البريطاني وعندما يستذكرون ويتذكرون ما فعله بهم المحتل الخارجي مقارنة بأعمال المحتل الداخلي ستكون النتيجة أن البريطاني أرحم من الحوثي على اعتبار أنه متوقع منه أي شيء كأجنبي محتل لكن ما ليس متوقعا أو مفهوما أعمال الحوثي ابن اليمن وشقيق المواطنة الذي تعامل معهم كقوة احتلال قتل وشرد وهدم المنازل ولم يزل يعيث في عدن خرابا ودمارا.
 
لكن هل هذا يعني ترحيبا بعودة المحتل من جديد أو حنينا على زمنه كما قد يفهم البعض؟ الجواب على ذلك لا وقطعا لا ولم تكن المقارنة في سياق استدعاء محتل خارجي طالما أصبحت أفعاله أهون من المحتل الداخلي وكأن قدر العدنيين المفاضلة بين أفضل المحتلين أو العيش في ظلال القمع والكبت ورجال البنادق والبزات العسكرية.
 
قبل أيام قصف الحوثيون ميناء الزيت في البريقة الذي كان يستعد لاستقبال سفينة إغاثة أممية ليحرقوا خزانا للوقود ويتسببون بكارثة بيئية لا تزال التحذيرات من تداعياتها وتوسع نطاقها تتوالى وكانت المفارقة أن المنشأة التي قصفت وهي مصافي عدن لتكرير النفط بنيت في عهد المحتل البريطاني ليأتي ابن البلد ويدمرها ثم يرفع شعار»الموت لأميركا وإسرائيل».
 
وهذا الشعار هو لخداع السذج ودغدغة العواطف ليس إلا كما بينا في مناسبة سابقة وإلا فالموت الذي يجيده الحوثيون ويصدرونه هو خاص بأبناء بلدهم ولا يتجاوز حدوده جغرافيا اليمن البلد المسلم الواقع بجزيرة العرب وقارة آسيا وليس في قارة أميركا الشمالية.
 
ماذا سيروي أبناء عدن لأبنائهم وأحفادهم؟هل سيقولون لهم أن منازلهم تهدمت في عهد الحوثيين وقوات صالح أم سيوثقون نزوحهم للمرة الأولى في زمن من يلقبونهم بـ «الحوافيش», وهي كلمة تجمع اختصارا الحوثي وحليفه صالح ولقبه (عفاش).
 
لو لم تكن خطيئة الحوثيين إلا اجتياح عدن وتشريد أهلها وتدمير منازلها لكان كافيا لمقاومتهم وإعادتهم إلى حقيقتهم جماعة مكانها الجبال والكهوف لا تملك حاضنة شعبية ولا جمهورا واسعا ولولا خيانات من يملكون زمام الأمور في البلاد لما وصلوا إلى عدن ولا إلى صنعاء بل ولم يدخلوا عمرانا من قبل!
 
إنه لأمر مؤسف أن يكون لسان عدن هذه الأيام: هل هذا جزاء من كان يفتح ذراعيه لكل باحث عن الراحة والاستجمام أم أن هذا ثمن الضيافة في خور مكسر والتواهي والبريقة خلال إجازات الأعياد الوطنية والدينية؟ هي أسئلة كثيرة تؤرق وتوجع القلب على حالنا الذي صادرت فيه المليشيا الأحلام الوردية بدولة ينعم مواطنوها بظلال العدالة والشراكة.
 
أثبت شبان عدن الذين يجيدون فنون الحياة ولم يتمرسوا على القتال أنهم يحملون روحا عصية على التطويع والكسر وقد تجلى هذا بصمودهم الأسطوري رغم فارق الإمكانات والخبرات ولكنهم يملكون ما لا يملكه غازيهم وهو الإرادة والإيمان بالحق والدفاع عن الأرض والعرض.
 
سلام على عدن وأهلها الطيبين وحتما سيعودون أقوى وتعود مدينتهم تشرق بابتسامتها العريضة لتضيء اليمن وتبدد ظلام ليل الغطرسة ويصبح في زوال.

نقلاً عن "العرب" القطرية


قضايا وآراء
مأرب