مصرع 9 حوثيين في تعز بغارة للتحالف     واشنطن تكثف جهودها لوقف الحرب في اليمن وغارات ليلية في صنعاء     الأعياد الوطنية.. ذاكرة شعب وجلاء كهنوت     قبيلة حجور تصدر بيانا حول اعتقال النقيب خليل الحجوري من قبل التحالف     "التهاني".. كجريمة بحق اليمن!     مؤامرة السهم الذهبي والمحافظة المزعومة     واشنطن تدين عودة مليشيا الحوثي إلى اختطاف موظفين في سفارتها بصنعاء     قصة الصرخة الحوثية "الموت لأمريكا"     فريق طبي بمستشفى يشفين ينجح في إجراء عملية معقدة لأحد المرضى     مركز المخا للدراسات الاستراتيجية يستضيف ورشة حول العلاقات اليمنية الصومالية     قراءة في دوافع انسحاب القوات المشتركة من الساحل الغربي ( تقدير موقف)     الإعلان عن تأسيس أول منظمة عالمية SYI للدفاع عن المهاجرين اليمنيين خارج وطنهم     معلومات وتفاصيل تكشف عن الأسباب الحقيقية لانسحاب القوات المشتركة المفاجئ في الحديدة     محمد آل جابر بريمر اليمن     تحرك دولي ومحلي واسع للتحقيق مع رئيس الوزراء معين عبدالملك في أكبر قضايا فساد    

الأحد, 14 يونيو, 2015 04:46:23 مساءً

خمسة أعوام مضت على عود ثقاب البوعزيزي الذي أشعله في هشيم عربي قابل للاشتعال والاحتراق كما رأينا، خمسة أعوام مضت لم يبق منها سوى ذكريات الزمن الجميل، الذي عجزت حروفنا وفصاحتنا أن تصف شيئًا من جماليات ذلك الزمن الربيعي الأجمل والأروع عربيًا على مدى عقود طويلة.
 
لكننا اليوم وبعد خمسة أعوام من الصمود والنضال، على أرض الواقع، ها هي حالة من الإحباط  تحاول التسلل إلينا دافعةً بنا نحو الهروب من مصير كهذا منيت به ثوراتنا من انكسارات، لجأنا معها نحو عوالم أخرى، فرضتها طفرات الإنسان وثوراته التكنولوجية وهي عوالم التواصل الاجتماعي الافتراضية التي أصبحت أشبه بمخدر موضوعي يفر إليها البعض هربًا من واقع سيئ ومعقد.
 
فعلى سبيل المثال، كنت على مدى الأسبوعين الماضيين منخرطًا في سلسلة  ندوات مختلفة هنا في إسطنبول، وجلّها ندوات حول الواقع العربي وتعقيداته، وعلى مدى أيام الندوات كان يستوقفني كثيرًا الحضور الجسدي للحاضرين والغياب الحسي لهم أيضًا؛ حيث معظم الحاضرين جسدًا لا روحًا وحسًا، بانخراطهم الكبير في دردشات افتراضية من خلال التويتر والفيس بك والواتس والإنستجرام وغيرها من وسائل التواصل، فيما الحاضر الوحيد في القاعة هو المحاضر فقط.
 
مثل هذا الشرود الكبير للنخب والمثقفين العرب، في هذه المرحلة، لم يكن فقط هو ما أثبتته لي هذه الملاحظة السريعة على مسار هذه الندوات التي حضرتها؛ بل أنا واحد من أفراد هذا الواقع الجديد، الملتبس والمحبط ربما؛ حيث أجدني في نقاش يومي من خلال وسائل التواصل هذه التي أجدني كل يوم مضافًا في مجموعة جديدة، لا أدري من وكيف أضفت إليها.
 
الهروب الكبير من الواقع نحو العوالم الافتراضية، ظاهرة جديرة بالدراسة والتوقف عندها في هذه المرحلة، خاصة في ضوء هذا التطورات الخطيرة على الميدان، التراجعات والانكسارات التي منيت بها أحلام وتطلعات قطاع واسع من الشباب العربي، خلال هذه المرحلة، وبروز ظواهر جديدة للنضال كانت قد تجاوزتها ثورات الربيع العربي السلمية، كنضال الجماعات العنيفة مثلًا الذي بدأ شبحه بالتمدد والبروز من جديد.
 
فمثل هذا التسلل والعودة نحو مربعات وأنساق فكرية كانت قد تجاوزتها الشعوب، لهي ظاهرة جديرة بالتأمل أيضًا، في ظل وضع يشبه حالة من الشتات والتسرب نحو خيارات عدمية وغير ذي فاعلية على مختلف المستويات.
 
لم يكن هذا التوجه نحو المنافي الافتراضية، مجرد ملاحظة عابرة لاحظتها هنا أو هناك؛ بل أنا شخصيًا منخرط فيها إلى حد كبير، فأنا واحد من نخبة يمنية عريضة متواجدة في هذا الخيال الافتراضي، الأشبه بالمنفى، منخرطة فيه على حد يثير الكثير من التساؤلات عن مدى تأثير هذا الانخراط اللاشعوري لكل النخب اليمنية في واقع افتراضي كهذا ومدى انعكاس ذلك على مسار الأحداث على الأرض التي تعكس واقعًا سيئًا ومصيرًا غامضًا لنضال ثوري كان هو الأروع على كل مستويات الحالة الربيعية العربية.
 
فلا شك هنا، أن واقعًا جديدًا فرضته ثورة تكنولوجيا المعلومات وتجلياتها العبقرية بوسائل للتواصل سهلت ربط العالم بعضه ببعض، أفرادًا ومجتمعات ونخبًا، لكنها في المقابل خلقت واقعًا آخر عكسيًا لهذا الواقع على مستوى آخر، كالعلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة مثلًا فهذه أصيبت ببعض البرود.
 
عمومًا، حتى لا نذهب بعيدًا عن منافينا الافتراضية، غرضي من هذا المقال: تقصي خطورة هذه الظاهرة التي بدأت تجتاحنا كنخب أدمنت تنظيرات الليوتيبات في واقع ربما لم ينضج بعد أو أنه سبق هذه النخب فيما يريد، وعبر عما يريد بعيدًا عن وصايا هذا أو ذاك من منظري المثاليات الرومانسية لواقع مليء بالتعقيدات غارق في أزمات متراكمة نحتاج فيها لعامل الزمن أكثر من أي شيء آخر.
 
منافينا الافتراضية، بقدر غرابتها وسلبياتها، تظل واحدة من علامات مرحلة التيه العربي الراهن، في واقع فرض شروطًا مغايرة للمعقول، واقع دفع بالجميع إلى اتجاهين إجباريين لا ثالث لهما: الهروب الافتراضي، أو العنف الواقعي الذي يتجلى بعدميته القاتلة في ظواهر العنف المتناثرة هنا وهناك، تحت شعارات ولافتات شتى، ليس تنظيم الدولة وتفرعاته إلا أحد تجلياتها الناتج عن خبث غربي وعجز نخبوي عربي وعقم في وسائل النضال والعمل وفقًا لمعطيات اللحظة وشروطها الموضوعية، وهي ما سنظل نفتقر لها ربما خلال هذه المرحلة التي قد تطول أو تقصر.


قضايا وآراء
انتصار البيضاء