السبت, 06 يونيو, 2015 11:55:43 صباحاً

حينما وسوس (الشيطان) لأبي البشر (آدم) بأنه «ما مُنع من أكل الشجرة إلا أن يكون مَلَكاً أو يكون من الخالدين»، كان (الخبيث) يدرك أن نقطة ضعف الإنسان تكمُن في فرْط أنانيَّته التي لا تفتأ تدفعه نحو البحث عن «التميُّز والاستحواذ والبقاء»، فهو يهرول نحو أي عَرْض يُحقق له ذلك، مهما كانت النتائج، وكلَّما كان العرض مغرياً كلَّما استحوذ الاندفاع على مشاعر الإنسان وسلبه القدرة على التفكير فيما سوى تحقيق تطلعاته، وهذا ما جَعَل «أكثر مصارع العقول تحت بُرُق المطامع»، كما قال الإمام علي بن أبي طالب رضوان الله عليه.

ولما كانت الزعامة من المطامع التي تنجذب إليها النفوس وتتطلع نحوها الآمال، كثرت إليها الرِّحالُ المشدُودة، وهوت في دُرُوبها القِيَم الرفيعة، وتساقطت في طريقها الأخلاق النَّبيلة، بل قُطِّعت في سبيلها أواصر القربى وأزهقت نفوس الخلق واستبيحت حرماتهم، واستخدم الدّين وهُتكت كرامة الوطن، لأجل ذلك، لقد صدق من قال (لئن صَبَرت عن فتنة المال أنفسٌ // لما صبرت عن فتنة النهي والأمر).

وهذا ما جعل تنافس الناس على الزعامة سبباً لكثير من الصراعات على مَرِّ تاريخ البشرية، فكل يرى أنه الأولى والأجدر بالتمُّيز، وأنه الأصلح من غيره في سائر الأحوال، لاعتبارات يراها لنفسه، تجعله يُقدم على أي حماقة، ويُدَلِّي نفسه بغرور وتَهَوُّر، ليستحوذ على «شجرة الخلد والملك الذي لا يبلى»، وقد لا يدرك أن من يتسلق الأعالي لا بُدّ أن تبدو سوأته، ما لم يخصف عليها من ورق الاستقامة ما يستر عورة قصوره ويمسكه عن الوقوع في حفر المطامع ومتاهات الأثَرَة.

لقد وقع الإنسان الأول في الخطأ بسبب الاندفاع نحو التميُّز، إلى درجة أنه عصى ربه وأصغى لعدوّه، فهبط ليعيش في هذه الدُّنيا حياة الصراع التي يتقلب اليوم جميع أبنائه في وحْلِها، وصار الإنسان يفسد في الأرض ليحصل على زعامتها، ولو على تلال من جماجم خصومه.

فإذا تحقق لأحدنا ما تطلع إليه من السلطة والنُّفوذ أحكم عليها قبضة استبداده، وأوثق تطويقها بقيود الذَّاتية والاستئثار، ليحتفظ بالزعامة لنفسه أطول مدى ممكن، ولا يكترث في سبيل ذلك بأن تُزْهَق الأرواح وتُدَمّر معالم الحياة، ولا يستوحش من ممارسة الظلم والجور، ولا يرعوِ عن طغيان التَّبجح والغرور، بل قد يرى كل ذلك عملاً شريفاً يخدم الإنسان، بل جهاداً في سبيل الله وانتصاراً للحق الذي يجب أن يُسْتَرخص كل نَفِيْسٍ في سبيله!
 * صفحة الكاتب على الفيسبوك 


قضايا وآراء
انتصار البيضاء