الجمعة, 05 يونيو, 2015 12:21:44 صباحاً

عندما حلم "ماركس" بإقامة دولة اشتراكية تخلص الكادحين (البروليتاريا) من عبودية اصحاب المال المحتكرين لأدوات الانتاج (البرجوازية) اختار لفكرته هذه نظام حكم ديكتاتوري واسماه "دكتاتورية البروليتاريا"

وعندما قام لينين بتطبيق الفكرة وتحقيق حلم "ماركس "بعد 70سنة لم يجد طريقا لتحقيق نظام الحكم هذا غير طريق العنف وكيف تكون دكتاتورية بغير عنف? فلينين يقول في تعريفه لدكتاتورية البروليتاريا "السلطة التي تعتمد على القوة اعتمادا مباشرا".
اذن فهي "سلطة" ووسيلتها "القوة"..

ان تحرير الكادحين من عبودية راس المال هدف نبيل ولاشك لكن لماذا اختار "ماركس" لأجل تحقيق فكرته النبيلة هذه "الدكتاتورية" نظاما للحكم? لماذا لم يختر "الديموقراطية الدستورية"?

الحقيقة ان من وصفوا بالاشتراكيين المثاليين ايام ماركس وقبله كانوا عديمي الثقة بالديمقراطية البرلمانية وكانوا الا قليلا منهم يسقطونها من حساباتهم خلال بحثهم عن الخلاص. ولنعرف سر هذا فعلينا ان نعود للظروف التاريخية التي عاش فيها ماركس اي خلال القرن التاسع عشر الميلادي. والتاريخ يقول ان الديمقراطية انذك كانت تفتقد للكثير من الشروط اللازمة لنموها وقوتها. وكانت الرأسمالية المتسلطة تقاومها بكل اصرار وتقلص نفوذها بكل السبل. كما ان سلطان الامبراطوريات والعروش والتوسع كان عاملا في تركيز السلطة في ايدي حكام بعضهم يمارس دكتاتورية سافرة وبعضهم ديكتاتورية مقنعة بديمقراطية وهمية..

ففي اكثر من دولة اوروبية يقوم فيها الشعب ثائرا مطالبا بحقوقه حتى يتحقق له ذلك تفضي ثورته الى حل البرلمان واقامة انتخابات مبكرة يجدون ان قوى التسلط هي من تفوز بأغلبيته مستخدمين نفوذهم وبهذا تعود من جديد.. كما حصل في فرنسا والمانيا والنمسا عام 1848م وهو نفس العام الذي صاغ فيه ماركس حلمه مع انجلز في كتاب "البيان الشيوعي"..

كما ان ديمقراطية بريطانيا كانت تعتبر ديمقراطية الاغنياء حيث كان حق الانتخاب حصريآ لهم وعندما قام الشعب مطالبا بحقه بالمساواة في حق الانتخاب بين الاغنياء والفقراء عبر البرلمان رفض البرلمان ذلك باغلبية ساحقة وعندما خرج الشعب بمظاهرات سلمية الى الشارع يطالب بحقوقه سلطت الدولة عليهم الجيش والشرطة بأسلحتهم فحصدتهم..!

كل هذا يجعلنا ندرك ان ماركس لم يكن الا ابن "لحظة تاريخية" هيأت الظروف لطرح فكرة "دكتاتورية البروليتاريا" فلاقت ترحيبآ واسعا بعد سنوات من فشل الديمقراطية في التغيير بل كانت المتسلطون يستغلون الديمقراطية لصالح بقائهم ونفوذهم.
.
ربما تفكر الان عزيزي القارئ اننا الان نعيش نفس الظروف من فشل الديمقراطية واستبداد الحكام وان الحل في ما قاله ماركس ثورة مسلحة تعقبها دكتاتورية تحمي ثورة الشعب اليس كذلك? حسنآ هذا ما تفعله داعش وجبهة النصرة الان منطلقة من نفس القناعة.. وقبل ان نسترسل في اسقاطات التاريخ تعالوا نرى ما حدث.. قامت الثورة البلشفية بقيادة لينين واسس الدولة الاشتراكية ممثلة بالاتحاد السوفيتي واتخذت دكتاتورية البروليتاريا نظامآ للحكم لتمنع عودة البرجوازية الطغاة كما كانوا يفعلون بعد كل ثورة للشعب.. وتحقق الحلم على اتم وجه ونجحت الفكرة وصارت واقعآ...

 فماذا حققت الدولة الاشتراكية في عصرها الذهبي? او بعبارة اكثر دقة ماذا جنينا عندما غابت الديموقراطية ولو بشكلها البدائي انذاك وعندما حلت الدكتاتورية محلها? عشرات الحروب والمعارك.. ملايين القتلى وبحار من الدماء..

 اعدامات علنية وسرية لكل معارض ولو كان من قيادة اللجنة المركزية.. ناهيك عن الحالة الاقتصادية البائسة لسكان ذلك الاتحاد.. اي ان الشعب لم يسلم من التسلط بل انتقل الى تسلط اشد وباسم الكادحين والشعب كما انه لم ينعم بالأمن والاستقرار ولا حقق اي تطور مادي..

وفي النهاية انتهت هذه الفكرة بالفشل بعد ان ملات الدنيا حروبآ ودمار..

في المقابل ماذا حققت تلك الدول التي استمرت في ممارستها الديمقراطية .. انها تنعم بالسلام والرفاهية .. ذلك لان الديموقراطية مهما كانت مبتورة او مثغورة الا انها تجد دائمآ طريقها لتصحيح نفسها وتطوير قوتها من خلال تجاربها فيما لا تعرف الدكتاتورية غير تجربة واحدة ولون واحد وراي واحد.

فلا تفقدوا الامل يا اصدقائي بالحرية والديمقراطية فهي على ما فيها من قصور خير من الدكتاتورية.. والتاريخ يشهد.


قضايا وآراء
مأرب