الثلاثاء, 12 مايو, 2015 07:46:42 مساءً

للوجدان تأثيراته البليغة على السياسات والتوجهات إلا عند اولئك النزر اليسير من القادة التاريخيين.
عاطفة الحب والبغض ليس فقط عمياء في ميدان الاستراتيجيات والمسائل المصيرية، بل تقود أحيانا إلى تصورات وقرارات جد خاطئة وكارثية، وغالباً ما تؤتى مصائر الشعوب والأمم من هذا الباب.
يعزو بعض الكتاب المصريين فشل مشروع عبد الناصر في الداخل المصري إلى إفراطه في الثقة بشخص عبد الحكيم عامر!
 قد يكون هذا الكلام واقعي بإزاء نتائج نكسة 56 الكارثية.
كما أن مبالغة استالين في كره الرأسمالية وعدائها دفعه إلى سحق البنية التفاعلية للشعب الروسي تحت دعوى إزالة الطبقية وإنهاء الفوارق الاجتماعية، وهو ما أدى إلى ظهور النزعة البلشفية - دكتاتورية الفقراء والفلاحين الذين تحولوا إلى سلطة غير واعية!
وبالمثل أدت كراهية الأمريكان وحلفائهم لصدام حسين إلى إنهاء مؤسسات الدولة الوطنية لصالح النفوذ الايراني الذي كان يمثل النقيض الجاهز حينها، وأدى تسريح قادة وأفراد الجيش العراقي حينها إلى تكون جيش طائفي، ومع الزمن إلى ظهور داعش كردة فعل على تعبر عن الكراهية المضادة.
(لكل فعل ردّ فعل مساوٍ له في القوة مضاد له في الإتجاه). الفيلسوف اسحاق نيوتن.
قانون فيزيائي ثابت ومستقر كأحد نواميس الطبيعة المتحكمة التي لا يمكن مصادمتها، ولكن يمكن للإنسان مغالبتها إن أحكم التدبير.
ما من شك في أن جيشنا اليمني لم يكن يوماً جيش للوطن وحماية المواطن.
لقد بني بناءً انتقائياً طبقاً لجغرافيا التحكم وثقافة التعصب الجهوي ومقتضى عقيدة التبعية الصنمية لشخص صالح، فهو الوطن والموطن والمواطنة وما دون صالح لا يستحق بنظر الجيش اليمني العائلي أدى تقدير ولا احترام ولا تضحية!
ربما تسند هذه الحقيقة سلسلة الأحداث الانقلابية الملشاوية منذ العام 2012م وحتى اللحظة، فجيشنا الوحيد بين جيوش العالم يقبل المليشة ويهتف بالصرخة استجابة وتلبية لرغبة الزعيم في الانتقام وطمعه في العودة إلى السلطة!
لكن هذا التقييم نفسه ليس عدلاً لأنه مقياس فوقي بناء على مواقف القادة العسكريين وملشنتهم لوحدات الجيش والأمن.
قد يقول البعض أفراد الجيش كلهم يقاتلون إلى جوار المليشيات؛ وهو قول صحيح، غير أن الأفراد منقادون دوما ببطونهم وقادتهم.
دعك من هذا ثمة ألوية ومعسكرات بل ومناطق عسكرية بكاملها رفضت الميلشة وصفت لتقاتل المليشيات وتردعها عن احتلال المدن والمؤسسات.
لعل أبرز النماذج العسكرية ألوية المنطقة العسكرية الثالثة وغيرها.
أحيانا كما ذكرت سالفاً تسبق العقد النفسية فتشكل قناعات خاطئة تؤدي إلى نتائج كارثية أو مخيبة على الأقل.
كنت بالأمس أتحدث إلى شيخ قبلي كبير فقلت له يجب أن نستعيد جيشنا الوطني وأن نخلصه من قادة السوء الفاسدين الملشاويين العائليين ليعود جيشاً لكل اليمنيين.
قال لي صديقي بلهجة قبلية وهو مغضب : لا هذا الجيش كله لا ينفع ويجب أن يرحل ونبني جيش بدلاً عنه!
صمت وذهبت ولكني سألت بعض أفراد الجيش المناوئ للمليشيات في جبهات مارب: هل تسلتمون رواتبكم ومكافئات غيرها دعماً لنضالكم؟
كانت الاجابات مخيبة حينما علمت بأن شهرين مرت لم يستلموا رواتبهم! وان المليشيات الحوثية تتحكم بها من البنك المركزي في صنعاء.
زاد من خيبت أملي أني اكتشفت أنه لم يبلغ هذه الوحدات النضالية البطلة أي دعم عسكري أو عتاد أو مؤن وأن كل الدعم موجه للقبائل ورجال القبائل.
بالطبع لا يمكن التقليل من دور القبائل ولا إنقاص وزنها. غير أن القوات النظامية غير الفزعات القبلية التي لا يمكن تنظيمها والاعتماد عليها بشكل استراتيجي.
ربما -وأرجو ان يخيب ضني- أثرت عصبية الجيش لصالح وتآمره على الشرعية واندماجه بالمليشيات لتقويض الدولة واسقاطها في يد المليشيات، ربما أثر ذلك في قناعات الرئيس هادي ونائبه والقادة السياسيين تجاه كل وحدات الجيش والآمن والنظر إليها بمنظار واحد. ربما آرى الدعم موجها للجان الشعبية في الجنوب والمقاومة الشعبية القبلية بمأرب والجوف وشبوة وغيرها في حين تقاتل الوحدات العسكرية الشرعية بجنبها وجهدها دونما أي دعم يصلها.
مفارقة عجيبة يا سيادة الرئيس وانت أيها النائب، وأنتم معشر الساسة.
أتريدون أن تصدق دعايات صالح والمليشيات وشائعاتهم التي تقول أن الهدف تدمير الجيش بكامله؟
أليس الهدف أصلاً إعادة بناء الجيش وصياغته صياغة وطنية؟
إذن بداية هذه الصياغة وأبجدياتها هي هذه الوحدات والمناطق العسكرية الشرعية التي تقاوم المد الملشاوي الإيراني الصالحي.
هذه المناطق والوحدات هي الحواضن الحقيقية لاستقبال أفراد الجيش الوطني الحر من كل الوحدات إن كنتم لا تعلمون، فلماذا أنتم عنها غافلون؟
وحتى حينما تفكرون في هزيمة المليشيات ومنع تمددها وسيطرتها على ما تبقى من الجغرافيا الوطنية ومؤسسات الدولة وإيقاف نازيتها التدميرية التي تطال الوطن وأهله دون تفريق بين مدني وغير مدني، أليس المعتمد الحقيقي هو الجيش الشرعي؟
فلماذا إذن لا تمدون له يد العون والدعم المادي والعسكري؟
أعتقد ثمة حاجة تدعوكم لمراجعة سياساتكم الراهنة سواء في تعاملكم مع الموقف الراهن، أو من حيث رؤيتكم المستقبلية لمؤسسات الدولة الضامنة.
قد يكون لتعيين اللواء المقدشي شأن مهم في تبدل الموازين لا سيما وهو الرجل العسكري الخبير والمتزن.
لكن المشكل كبير ويحتاج تكاتف جهود الجميع وتأسيس رؤية واضحة ودقيقة تمثل قاعدة للانطلاق المتوازن.
هذا من وجهة نظر أكاديمية. لكن يبرز النجاح من الفشل من وجهة نظر العسكري في ميدان النضال عن الشرعية والدولة متى وجد الدعم والاهتمام.


قضايا وآراء
مأرب