الجمعة, 08 مايو, 2015 12:54:52 صباحاً

أطلق الحوثيون كاتيوشا وهاون على المدن السعودية بلا توجيه، ولا أهداف. وقالوا في إعلامهم "القبائل اليمنية" فعلت ذلك. كانوا يعلمون جيّداً أنها ستصيب المدنيين والمنازل والشوارع. الحوثيون لا يكترثون، هم لا يطلقون المدافع سوى على المنازل. لم يحدث قط أن أطلقوا المدفعية في اتجاه الجيوش. تذكروا أن حوالي ١٠٠ حوثياً سيطروا على ثلاثة معسكرات ضخمة في البيضاء خلال نصف نهار!

النسخة الداخلية من حروب الحوثي تقع تحت لافتة: أبناء المحافظة الشرفاء يقاتلون أبناءها العملاء.
أبناء عدن الشرفاء يحاربون القاعدة، أبناء البيضاء الشرفاء، أبناء تعز الشرفاء.

ومن يقصف الأراضي السعودية بالكاتيوشا هم "القبائل". ذهب الحوثي يجرّب جملته خارجياً، معتقداً أنها ستجدي نفعاً! وأن العالم مقتنع تماماً أن الحوثيين مجرّد مشّاء في الأرض يبيع أقمشة ويدوّن ما يراه. لا علاقة لهم بأي شيء. الآخرون دائماً هم الذين يفعلون، إذا استعرنا كلمات دنقل.

التحالف العربي أحس بإهانة بالغة، وها هو يرد في صعدة.. ويبدو أن ردّه سيكون بالغ القسوة والوحشية. وفي الأساس دخلت السعودية هذه الحرب لتقول لأعدائها إنها قوية وتفتك بالخصوم. ولكي تصل تلك الرسالة إلى طهران كما ينبغي فمن غير المسموح أن يفزعها جعنان صغير وأحمق اسمه عبد الملك الحوثي، ولا أن يربك خططها أو يحرجها دولياً. وسيكون ردها متوحشاً. سيكون الرد بالغ الوطأة حتى تبقى الرسالة السعودية عند مستواها السابق من الإبهار والردع.
طيرانهم، مزوداً بصور الأقمار الاصطناعية، يحلق فوق مرّان، وقد يسقط عبد الملك الحوثي وآل بيته قتلى. فالتكنولوجيا لا تحترم رغبات الآلهة ولا تدبيرها!
تفاجأ الحوثي بالرد الوحشي من التحالف، وبإعلانه الناري: طيران حربي فوق صعدة على مدار الساعة. قال إن القبائل هي من أطلقت النار على السعودية!
مثل هذه التفاهات وقلّة العقل يبيعها الحوثي للأميين في صعدة وللعاملين في الصحافة والحقوق في صنعاء.

وكان يجد زبائن، وكانت بضاعة رائجة وتمر، ويتحمّس لها حتى أولئك الذين لا يخطئون في النحو عندما يكتبون الأشياء التي بلا قيمة.
غير أن العسيري ليس زبوناً جيّداً!

لقد حدث الأسوأ عندما:
سيطر الحوثيون على الدولة، الجيش، الأمن، الإعلام، واستخدموا كل ذلك كمجهود حربي ضد المُدن. خيروا المحافظات بين:
الخضوع/ الاستسلام أو الحرب. البعض اختار الاستسلام، وآخرون اختاروا الحرب.
لم يبتكر أحد من اليمنيين الحرب. كانت خياراً عرضه الحوثي عليهم.. كانت خياراً جاهزاً ومغلفاً وساخناً. الحرب في اليمن ابتكار حوثي جاء به من صعدة وعمران وصنعاء. اختارت تعز الحرب التي عرضها الحوثي. وكذلك عدن وشبوة. واختارت ذمار وحجة والمحويت وصنعاء الخضوع، التسليم، الاستسلام، الرضا. أي السلامة حتى حين!
كان ذلك هو الأسوء:
جماعة دينية مسلّحة استحوذت على الجيش وحوّلته إلى ميليشيا يعمل لمصلحتها "راجع اعترافات صالح لصحيفة المصري اليوم".
وبلا مرجعية قانونية ولا أخلاقية راحت الميليشيا المدرّعة بمادة الدولة تخوض حروباً ضد المجتمع.
يمنح القانون، والتاريخ، الحق الكامل لكل مواطن عاقل وقادر رأى دولته تختطف أن يتخذ كل الوسائل الممكنة لاستعادة الدولة. ولو لم يكن هنالك إلا مواطن واحد ووحيد فالتاريخ، والحق، والحقيقة يمنحونه التوكيل اللازم لحمل السلاح والدفاع عن الدولة، قدس الأقداس والضامن الوحيد لحياة مستقرة.

الدولة مختطفة، مسروقة، مصادرة، وهي أقدس ما يمكن أن ينجزه أي اجتماع بشري. والميليشيا اختطفت ذلك الناموس الأقدس مانحة المواطن العادي الحق الكامل، والذريعة الشاملة، لمواجهتها بغية استرداد قدس الأقداس: الدولة.
ولا يمكن القول إن المواطن الذي رأى دولته تسرق في وضح النهار فاتخذ السلاح وسيلة لاستردادها: إنه طرف.
هذه التفاهات لا يرددها سوى مثقفي عصور الانحطاط. أولئك الذين أطلق عليهم إدوارد سعيد صفة "الرهائن". وهم في صنعاء أدعياء الحياد الموضوعي، اللاموقف، الذين يحضرون في كل القضايا الوطنية، بما فيها الحرب على الوطن، كأنهم جالية. وبطريقة ما، تعودوا على أن يدر عليهم الحياد رزقاً. لا يتعلق الأمر بالارتزاق بل بالرزق. وهذا التفسير لوحده غير كافٍ. إدوارد سعيد أجرى توضيحاً أكثر شجاعة وحدّة، وليس هنا مكان مناسب للإشارة إليه.

تقول المعلومات الواردة من الرياض:
حالياً تنظر دول الخليج، على نحو جاد، في طلب تقدم به صالح مؤخراً للسماح له بالخروج الآمن من اليمن مع أسرته.
وعبر نقاش مع ممثليه في الرياض يجري العمل على الوصول إلى تسوية تقول: دع الحوثي لوحده يغرق، تلك يد إيرانية ولا بد من قطعها.

أما صالح فقد تأكد تماماً أن اليمن لم تعُد أرضاً له ولا لأحد من أهله. الأطفال الذين سحقهم صالح في عدن سيطاردونه كلعنة. يريد أن يفلت من العقاب، وثمّة تسوية تجري مراجعتها تسمح لصالح بالنجاة مؤقتاً، على أن يتدبر مستقبله.
سيصفو المشهد على الحوثي يحارب الجميع وستفكك جبهة صالح تباعاً. وفي الأيام القادمة لن يكون الحوثي قادراً على دفع رواتب الكتائب التي تحارب معه، وكعادة المرتزقة ستؤيد تلك الكتائب هادي وستعمل مع الشرعية ليس كجيش شريف تذكر الوطن في آخر ثلاث دقائق من العاصفة .. بل كبندقية تعمل بالراتب! ويا للمهانة!

الحوثي يبرز وحيداً يوماً بعد يوم. يقاتل في كل الجبهات، ويخلق لنفسه هزائم وعزله. وكلما حاصرته الظروف تشبّث بالهاشميين، النسخة الجبلية، وجرّهم معه في مصير مشؤوم وقذر. هكذا تصنع الأوهام الدينية، وتلك خاتمتها الكلاسيّة الأكثر شهرة في كتاب الحروب العظيم. لقد قضت على مملكات تاريخية أكثر قوة ومتانة من مملكة الحوثي، مملكة السبع دقائق!

الحوثي ورم. ورم حقير وقذر ولا بد من إزالته. الخلل في مولد التيار، في الإيديولوجيا العنيفة والقذرة، الطاردة والمفترسة التي تسكن رأسه. وهو مولد تيار لا ينتج سوى الظلام! معطوب في جذوره، ولا بد من هزيمته وتفكيكه أو إجباره على الاستسلام وإخراجه عن الخدمة. النسيج الفكري الذي استند إليه الحوثي هو نسيج نازي في طبيعته وتكوينه، تجاهل اليمنيون حقيقته الموضوعية وراحوا يتحدثون عن الضم والسربلة، وتلك تفاهات. الماطور الحقيقي سياسي، وذلك مولد مخيف يتقاطع مع ماطور القاعدة وكل المواطير النازية والفاشية في القرون الماضية. الخلل في مولد التيار وهو ما يفسّر التفاني الرسالي الذي بذله "الأهل والعشيرة" لأجل الحوثي، فقد جاء ليقول لهم: أنتم أفضل من الآخرين. وتلك رشوة إيديولوجية تمنح السعادة وتخلق ذرائع التفاني وتقود إلى الفناء.

سيدرك الحوثي، ومعه النسخة المحاربة من الهاشمية، أن الزمن الجديد يبطن معادلة صغيرة وسهلة وحاسمة: الله خلق الكون ونحن من نديره. وهي معادلة كتبها الشاب العبقري سبينوزا ومات في الأربعين من عمره وتذكرتها كل أوروبا. تذكرتها وتذكرته.

الأوهام والضلالات التي حشا بها الحوثي رأسه ورأس "أهله وعشيرته" لم تعد صالحة لتسير مع المعالم ولا لتحاذيه. لقد عمد ذلك الجاهل الأحمق إلى أكثر حقب التاريخ ظلاماً وانحطاطاً واستخرج رؤيته للدولة والمجتمع والإناسة.
لقد انتهى ملك الحوثي، مملكة السبع دقائق، وبقيت جرائمه. إنه يقتل كلص وليس كحاكم. يطلق النار على المنازل كجالية هاربة وليس كسلطان مهيب. حتى لجنته الثورية التي كانت تهدد اليمنيين من القصر الجمهوري صارت تختبئ في بدروم مستشفى الثورة وتعقد تفاهاتها هناك. ومستشفى الثورة مكتظ بالبشر، بالمرضى، بالأطباء. أخبرني أكثر من طبيب من المستشفى بذلك وهناك محاولة لصياغة شكوى جماعية تطالب الأبطال الفارين بالخروج.

قال لي طبيب من سنحان: أهلنا كلهم مع الحوثي. ولما سألته وأين هم الآن ابتسم وقال "في البيوت مخزنين". وذهب يروي ويضحك، وكان الموضوع بالنسبة له مسلياً. ورأى أن ما يفعلونه أمر جيد فلا ينبغي أن نذهب نحن كسنحان، قالَ، أبعد من ذلك وعلى الحوثي أن يجمع مقاتلين من أماكن أخرى!
انتهى الحوثي وبقي مدفعه يضرب، والحوثي يصيح ويهتف ويتوعد، والمدفع يقصف. ومع الطلقة الأخيرة للمدفع سيختفي الحوثي. فلم يعد لديه من سماء ولا بحر ولا مخازن. وقبل شهر من الآن كان الحوثي قد نصب نفسه ملكاً، وكان معاونوه الإيرانيون يتحدثون علانية عن "اليماني" الذي سيمهد الطريق لخروج المنتظر. ولدى الهند منتظر، لدى الصين منتظر، لدى اليهود منتظر، لدى الكاثوليك منتظر، لدى السنة منتظر. كل جماعة في العالم لديها منتظر، وتلك حماقة سعيدة. باستثناء ريال مدريد، فلم يكن له قط منتظر!

الحوثي الملك، الذي كان يزمجر ويرفع سبابته ألف مرة كل خمسة أيام، أصبح شبحاً في الجبال. يا له من منظر: قبل أسابيع كان يقول "سنتحرك التحرك الجاد والموجع وسنزعجهم، والله معنا". ويعد بالنصر المؤزر. وكان قد أصبح سميناً ذا كرش لا تخطئه العين، وصار ديوانه مغطى بالبنفسج! ها هو ذا الليلة يفر مثل ثعلب جبلي جائع في الجبال. تركه إلهه للطائرات والأقمار الاصطناعية والصواريخ الموجهة بالليزر. الإله يترك الحمقى في طريق السيل، دائماً. دائماً.
وحتى إذا نجا من الموت والقتل فلن يعود ملكاً. سيكمل حياته في ذلك الجحر، فهو يصلح للجحر والجحر يصلح له. الرجل الذي لم ينطق اسم "جامعة" مرة في حياته سيكمل مسيرته في سكّته الصحيحة وسيهدي به الله الجن والعضاريط، وسيعم نور مسيرته الكهوف والمغارات، وذلك يكفي.

لقد انتهى الحوثي، وبقيت ميليشياته تقتل. كانت حتى ما قبل شهر "تحكم". وها هي الآن تقتل في الظلام كما تفعل كل عصابات الدنيا. العصابات لا تدوم، ولا تخلد. تختفي مع آخر طلقة في الطبنجة، ومع آخر قرص خبز في الصندوق. من ملك يحدد ملمح كل شيء في البلد إلى ثعلب جائع وهارب في الجبل تحاصره عشرات الطائرات والأقمار الاصطناعية وقد لا يطلع عليه الصبح. لم يختر له أحد هذه النهاية المزرية، هو من اختارها. وتلك كانت نتيجة "عملية الفتح المؤزر" التي أعلنها أمام العالم.
انظروا إلى الانتهازيين. انظروا إلى عبد القادر هلال. راقبوا البركاني وبن دغر. أولئك الأقذار اليمانية العظيمة طوّرت قدرة جبّارة في التنبؤ بحركة الرياح. وهي أقذار لا تصب سوى في الأنهار، ولا تسيل إلا عندما يكون النهر جارياً. انظروا إليها، فقط، وتابعوا حركة خصورها!

واستبشروا خيراً.
اليمني الجديد 


قضايا وآراء
انتصار البيضاء