مصرع 9 حوثيين في تعز بغارة للتحالف     واشنطن تكثف جهودها لوقف الحرب في اليمن وغارات ليلية في صنعاء     الأعياد الوطنية.. ذاكرة شعب وجلاء كهنوت     قبيلة حجور تصدر بيانا حول اعتقال النقيب خليل الحجوري من قبل التحالف     "التهاني".. كجريمة بحق اليمن!     مؤامرة السهم الذهبي والمحافظة المزعومة     واشنطن تدين عودة مليشيا الحوثي إلى اختطاف موظفين في سفارتها بصنعاء     قصة الصرخة الحوثية "الموت لأمريكا"     فريق طبي بمستشفى يشفين ينجح في إجراء عملية معقدة لأحد المرضى     مركز المخا للدراسات الاستراتيجية يستضيف ورشة حول العلاقات اليمنية الصومالية     قراءة في دوافع انسحاب القوات المشتركة من الساحل الغربي ( تقدير موقف)     الإعلان عن تأسيس أول منظمة عالمية SYI للدفاع عن المهاجرين اليمنيين خارج وطنهم     معلومات وتفاصيل تكشف عن الأسباب الحقيقية لانسحاب القوات المشتركة المفاجئ في الحديدة     محمد آل جابر بريمر اليمن     تحرك دولي ومحلي واسع للتحقيق مع رئيس الوزراء معين عبدالملك في أكبر قضايا فساد    

الجمعة, 17 أبريل, 2015 09:49:35 مساءً

مع امتلاء المكتبة الإسلامية بكتب التفسير القديمة والحديثة للنص القرآني إلا أني لا زلت أرى فجوة بين كل تلك التفاسير، ولا زلت أرى تثاؤبا فكريا في التعامل مع النص القرآني، فمع إيمان المسلمين بأنه نص خالد للزمان والمكان إلا أن مقتضيات ذلك الخلود لا أجدها في أعمالهم وإنتاجهم الفكري أثناء دورانهم حول النص القرآني إلا نادرا، وقد لمحت من خلال بحثي الطويل في كتب التفسير التي تجاوزت ستين تفسيرا -تنتمي لكل المدارس والمذاهب والجامعات والطوائف، مقارنا بين تفسير الآية عند هذا الاتجاه أو ذاك- بأن القرآن بحاجة إلى قراءتين كي نحقق أهدافه ومقاصده، وهذا ما وجدته مفقودا أو شبه مفقود بين تلك التفاسير، وخلاصة هذه القراءتين التي نحن بحاجة إليها كالتالي:
القراءة الأولى: قراءة تزامنية تراعي السياق التاريخي الزمني لنزول الآيات، للوصول إلى المعنى المباشر القريب للنص، مراعيا كل السياقات الأخرى المساعدة للوصول للمعنى الأدق والأوضح والأبسط، كسياق الآية ضمن الآيات التي قبلها وبعدها، وسياق السورة وسياق الكلمة في القرآن، كل ذلك في ضوء مقاصد القرآن وأهدافه، وفي هذه القراءة يحاول الباحث أن يعيش أجواء وظروف نزول النص، والثقافات التي كانت زمن نزوله، والجغرافيا التي احتوت نزوله.
أما القراءة الثانية: فهي قراءة تطورية تنطلق من الرؤية الواضحة البسيطة في القراءة الأولى، لتعيد تنزيل معاني تلك الآيات على عصرنا، مراعيا المعاني لتلك الآيات أكثر من مراعاة الألفاظ، لأن التوقف عند بعض تلك الألفاظ ، قد يبعدنا عن مقصد الآيات ومقصد القرآن كله، فنقع في حرفية تجعل المسلم المعاصر يعيش فصاما، بين الفهم القديم وثقافة العصر الحديث، وهذه القراءة يمكن أن نطلق عليها تطورية باعتبارها تتطور باستمرار بحسب مصطلحات كل عصر، ويمكن أن نطلق عليها أيضا قراءة مقاصدية، كونها تراعي مقصد النص أكثر من حرفيته.
وما وجدته في كتب التفسير أنها لا تلتزم بالقراءة التزامنية كما هي وقت نزول النص، وإنما تقفز أحيانا فتضع اللفظ القرآني في غير محله الزماني والمكاني، انطلاقا من قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأن خطاب القرآن خالد للزمان والمكان، وهذا لا إشكال فيه، ولكن من يريد أن ينطلق إلى ذلك العموم عليه أولا أن يمر بالقراءة التزامنية لا أن يقفز عليها، أو يتجاوزها، فإذا تحدث القرآن عن المشركين فعلينا أن نذهب أولا إلى أولئك المشركين الذين عاشوا في مكان وزمن تاريخي معين ، قبل أن نأخذ بعموم النص إلى كل مشرك في أي زمان أو مكان، وإذا تناول القرآن عن اليهود أو النصارى فإنه يعني تلك الفئة التي عاشت زمنا قبل ظهور الإسلام، وأحيانا تلك الفئة عاشت في زمن نزول النص القرآني، ولا يصح مباشرة تعميم اللفظ إلى يهود أو نصارى اليوم وهكذا.
أما إغفال التفاسير للقراءة التطورية فهو يكاد يكون واضحا لكل قارئ أو باحث في هذا المجال، ولذا نجد أن كثيرا من المسلمين يردد مرارا بأن القرآن صالح لكل زمان ومكان، و حين تتوقف معهم قليلا لتقول لهم كيف ذلك؟ لا تجد الإجابة! ولا تكاد تجد أي من كتب التفسير المعاصرة قد أعمل جهده جيدا لهذ القراءة، وحتى إن وجدت تلك القراءة كما هي عند الترابي وشحرور فإنك ستجدها قفزت مباشرة إلى القراءة التطورية دون المرور على القراءة التزامنية، فشحرور مثلا تنبه كثيرا للقراءة التطورية ولكنه أغفل القراءة التزامنية فخلق هذا حالة من الفصام بين اللفظ ودلالته الجديدة، وصار المعنى أحيانا محملا بما لا يحتمله، أما الترابي في تفسيره التوحيدي، فلم تكن قراءته تطورية كاملة، ولا تزامنية خالصة، وإنما خليط يشبه إلى حد ما خليط التفاسير السابقة، مع فارق في تقديمها بأسلوب لغوي أكثر قوة من سابقيه.
دعوني أضرب مثالا سريعا ثم أتبعه بمثال آخر أكثر تفصيلا في مقال لاحق لتلك القراءتين كي تتضح الصورة أكثر، يقول تعالى "فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [التوبة : 5]، والقراءة التزامنية لهذه الآية ستجعلنا نبحث عن من هم أولئك المشركون الذين حكم عليهم بالقتل وليس لهم من خيار غير الإيمان، وحين نتأمل الآية في ضوء القراءة التزامنية سنجد أن أولئك المشركين انطبقت عليهم أوصافا استحقوا بها القتل، وليس مجرد الشرك هو سبب الحكم بالقتل، فالآيات قبلها وبعدها تصفهم بأنهم نقضوا العهد ونكثوه، واعتدوا على من تعاهدوا معهم بل وقتلوهم، وتخبر بأنهم هم من بدأ المؤمنين بالقتال، وطردوا الرسول ومن آمن معه من ديارهم "أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ" [التوبة : 13]، أولئك القوم الذين انطبقت عليهم تلك الصفات هم من تتحدث عنهم الآية، فإذا نزعناها من سياقها ذلك وأنزلناها على كل مشرك فقد ابتعدنا عن القرآن ومقصده، وخالفناه، فتلك الآية خاصة بأفراد وزمن معين فقط، وأي تعميم لها سيخرجها عن سياقها القرآني، وما أكثر التفاسير التي ابتعدت عن ذلك المقصد وعممت بعض الآيات التي كانت مخصصة بفئة معينة، لأسباب كثيرة.
وخلاصة المشكلة بالنسبة للتعامل مع النص القرآني تكمن برأيي في غياب قراءة تزامنية تقرب لنا الصورة في لحظة النزول، وغياب قراءة تطورية تنزل الآيات من جديد على اللحظة التي نعيشها.


قضايا وآراء
انتصار البيضاء