مصرع 9 حوثيين في تعز بغارة للتحالف     واشنطن تكثف جهودها لوقف الحرب في اليمن وغارات ليلية في صنعاء     الأعياد الوطنية.. ذاكرة شعب وجلاء كهنوت     قبيلة حجور تصدر بيانا حول اعتقال النقيب خليل الحجوري من قبل التحالف     "التهاني".. كجريمة بحق اليمن!     مؤامرة السهم الذهبي والمحافظة المزعومة     واشنطن تدين عودة مليشيا الحوثي إلى اختطاف موظفين في سفارتها بصنعاء     قصة الصرخة الحوثية "الموت لأمريكا"     فريق طبي بمستشفى يشفين ينجح في إجراء عملية معقدة لأحد المرضى     مركز المخا للدراسات الاستراتيجية يستضيف ورشة حول العلاقات اليمنية الصومالية     قراءة في دوافع انسحاب القوات المشتركة من الساحل الغربي ( تقدير موقف)     الإعلان عن تأسيس أول منظمة عالمية SYI للدفاع عن المهاجرين اليمنيين خارج وطنهم     معلومات وتفاصيل تكشف عن الأسباب الحقيقية لانسحاب القوات المشتركة المفاجئ في الحديدة     محمد آل جابر بريمر اليمن     تحرك دولي ومحلي واسع للتحقيق مع رئيس الوزراء معين عبدالملك في أكبر قضايا فساد    

السبت, 11 أبريل, 2015 10:48:13 مساءً

شائعة جدا تلك الفكرة التي تقول ننا من اجل محاربة التطرف والارهاب يجب ان نعرف الناس بـ"الدين الصحيح" عبر كل وسائل الاعلام والتثقيف والتواصل.

لكن هل المشكلة فعلا في تعريف الناس بالدين الصحيح؟

ام ان المشكلة تكمن في فكرة "الدين الصحيح" نفسها؟

لنحاول مناقشة القضية من زاوية مختلفة قليلا...

احد اهم الدروس التي تعلمناها من تاريخ الاديان انه لا يوجد تفسير واحد وثابت للنص الديني. فـ"النص الخام" لا ينطق بنفسه وانما ينطقه الرجال حسب وعيهم وعصرهم واحتياجاتهم. فما دمنا لا نستطي على النفاذ الى "النص" الا عن طريق "التفسير" يصبح الحديث عن "دين صحيح" حديثا اشكاليا. فاي تفسير من بين عشرات التفسيرات المطروحة يمكن اعتباره "الدين الصحيح"؟

وحين يغيب الوعي بالمسافة بين "النص" و"التفسير" او بين "الدين" و"الفكر الديني" او بين "الديانة" و"المذهب" يبدا ادعاء كل جماعة ان عقيدتها او مذهبها وحده هو "الدين الصحيح" وان اي تفسيرات اخرى مجرد هرطقة وزندقة يجب ان تنتهي بحد السيف. ان فكرة "الدين الصحيح" كانت الوقود المحرك لاغلب الصراعات الدينية سواء داخل الدين الواحد او الاديان المختلفة. وكان اتباع كل مذهب يحاولون فرض مذهبهم بالقوة على اتباع المذاهب الاخرى ما ان يستتب لهم الحكم.

لتامل اكثر في تبعات فكرة "الدين الصحيح".

اغلب المتطرفين والحركات الارهابية كانت تاتي من ذلك الايمان الخطر بوجود تفسير وحيد وثابت وابدي للنص الديني. فحين تؤمن جماعة ما ان تفسيرها وحده هو الدين الصحيح فانها تكتسب ذلك الغرور المقدس الذي يجعلها قادرة على ارتكاب ابشع الفظائع بضمير بارد من اجل فرض "دينها". الخوارج على سبيل المثال كان من اوائل وابرز الجماعات التي امنت ايمانا اعمى انها وحدها تملك التفسير الوحيد للنص ، كان ايمانها الاعمي وقود الوحشية والدموية نادرة المثال التي جعلتها تقتل الاطفال وتبقر بطون الحوامل وهي تبكي من تقوى الله وتقضي ليلها ونهارها في التعبد وقراءة القران.

وعندما يحضر الايمان بتفسير واحد ووحيد الحرية تنتفي فكرية "حرية العقيدة" رن الحرية تقتضي الاختيار بين اكثر من بديل بينما الدين "الصحيح" لا يعرف اي بديلا اخر والا لما كان صحيحا لان (الحق لا يتعدد) ككنا كان يقول المتكلمون القدامى!!
في اوربا مثلا استمرت الحروب الدينية المسيحية ذ100 عام ولم تنته الا بعد ان اكتسب الاوربيون الروح العلمانية وتخلوا عن فكرة "الدين الصحيح" الى فكرة حرية العقيدة و"التدين الشخصي". وشخصية التدين تعني ان الدين يعود للمجال اخاص والشخصي للفرد الذي يحقه ان يعتنق ادين الذي يشاء زان يفهمه كما يشاء دون اي قسر خارجي. كما تنهي وظيفة الدولة في الرقابة على السلوك الديني وتنتهي الى لابد فكرة الجهاد او بتعبير اكثر وضوحا فكرة (الحرب الدينية المقدسة والدائمة من اجل فرض الدين الحق على الاخرين بقوة السيف).

المشكلة الثالثة التي تضعها امامنا فكرة "الدين الصحيح" هي معيار الصحه.

عندما تتامل في الاديان تكتشف انها جميعا لا تملك اي دليل عقلي اوعلمي او تارخي عى صحتها. من اين اذا تكتسب الايمان قوتها وتماسكها الاخلي ومن اين يكتسب المؤمنون قوة الايمان بصحة دينهم؟
انه اليقين الذاتي الداخلي للفرد الموؤمن وللجماعة المؤمنة. ولا ن هذا المعيار "ذاتي وداخلي" فانه لا يعطي الجماعة اي حق في فرض خيارها الديني عل الاخرين. فالدين الصحيح ليس "الدين الحق" وانما الدين الذي يؤمن اتباعه ايمانا ذاتيا واختياريا انه صحيح.

فمعيار صحة نبوة محمد (ص) هو انه كان مؤمنا اشد الايمان انه نبي مرسل من الله وكان اتباعه مؤمنون ايمانا اعمى بصحة نبوته ووحيه. خارج هذا المعيار الذاتتي من الصعب التحدث عن اي معيارخارجي او تاريخي اخر لـ"صحة" الاسلام او المسيحية او اليهودية.

وكون معيار "صحة" الاديان معيار داخلي فهذا يجعل كافة الاديان والمذاهب في نفس المستوى من الصحة والموثوقية ما دامت جميعها تهدف للوصول الى الله.

فانا مسلم مثلا ومعيار صحة اسلامي هو ايماني الداخلي الذاتي بانني على الدين الصحيح. وخارج هذا ليس لدي اي ادلة علمية او تاريخية او لاهوتيه عل صحة ديني الاسلامي. ولان الاثبات الوحيد على صحة ديني هو اثبات ذاتي داخلي غير معمم لا يحق ان احاول فرضه على الاخرين او الادعاء انه وحده الصحيح وغيره من الاديان ضلالات وخرافات. فايماني بصحة ديني لا يقتضي بالضروة ايماني بان الاديم الاخرى ضاله.

ولان معيار صحة الاديان ذاتي وداخلي (وغير عقلاني في اغلب الاحيان) تنتفي مشروعية اجبار الاخرين على دخول الدين بالقوة تحت دعوى تطبيق حكم الله، لان الاديان كلها اديان الله وتتمتع بنفس الدرجة من "اليقين" الداخلي. ولان الايمان تحت ظلال السيوف ايمان زائف وقهري وبلا قيمه وهو ما حدث خلال اغلب فترات ما دعي بـ"الفتوحات".

انطلاقا من هذا اعود الى السؤال المطروح في بداية هذا المنشور لاقول ان الحديث عن الدين الصحيح ليس الطريق الصحيح لمحاربة التطرف خاصة ان داعش والقاعدة وانصار الله وغيرهم من حركات الارهاب الديني يدعون انه يمثلون الدين الصحيح. وانما الطريق الصحيح لمحاربة الارهاب هو الايمان بحرية العقيدة والتدين والقناعة التامه ان التدين امر شخصي وفردي وان كل الاديان والمذاهب تمتلك نفس الدرجة من الصحة والموثوقية ما دامت لا تعتدي على حريا ت الاخرين ولا تحمل السلاح ضدهم. وليس من حق اي فرد او جماعة ان تتصدي لقضية تطبيق حكم الله او نشر الدين الصحيح تحت دعاوى الجهاد او تطبيق الشريعة او الحكم الاسلامي.


قضايا وآراء
انتصار البيضاء