الأحد, 22 مارس, 2015 07:18:29 مساءً

نحن أمام نموذج جديد من الإرهاب في المنطقة العربية بالخصوص. في السابق، كان الإرهاب يستهدف كل ما يرمز للدولة، أو يمثّلها، ثم تطور تدريجياً لاستهداف المواطنين العزّل. وحدثت هذه النقلة النوعية في الجزائر، خصوصاً لما انتقلت الجماعات الإرهابية من الحرب ضد الدولة إلى الحرب ضد المجتمع (والدولة معاً)، ممارسة التقتيل الشامل. أما الضلع الثالث للمثلث الإرهابي، من حيث الضحايا، فهو الأجانب، لا سيما الغربيين. وقد بقي هذا النموذج سائداً حتى السنوات الثلاث الأخيرة، لنشهد نقلة نوعية، من حيث الأهداف، مع ظهور هدف ثالث، وهو تدمير المعالم والآثار التاريخية للمنطقة، والتي تشهد على عمقها الحضاري والتاريخي.

وربما أول جريمة في حق الإرث الحضاري للعالم الإسلامي هي تدمير حركة طالبان الأفغانية تماثيل بوذا في باميان في ربيع 2001، بدعوى مخالفة الشريعة الإسلامية. لكن الظاهرة بقيت غريبة عن المنطقة العربية. وفي أواخر 2012 ومطلع 2013، دمرت جماعات إرهابية عربية في جلّها أضرحة ومسجداً (يعود إلى القرن الخامس العاشر)، وأتلفت مخطوطات تاريخية، خصوصاً في مدينة تمبكتو المالية، بدعوى محاربة الشعوذة. إلى أن جاءت داعش التي تستهدف في استراتيجيتها الإرهابية، أيضاً، المعالم التاريخية والحضارية لسكان المنطقة، لقطع أوصالهم التاريخية، حيث تدمر معالم تراثية، تعود إلى آلاف السنين، فضلاً عن معالم إسلامية (مساجد وأضرحة)، كما حدث، أخيراً، في العراق (الموصل خصوصاً)، وسورية (الحسكة، تل معروف، الرقة...)، وحتى ليبيا (تدمير مقبرة الصحابة في درنة). ولعل صور تدمير التحف والقطع الأثرية في متحف الموصل تؤكد أن المعالم التاريخية، بغض النظر عن هويتها الدينية، أصبحت هدفاً استراتيجياً للتنظيمات الإسلامية الإرهابية. وقد عمّم داعش هذه الاستراتيجية، لأنه لم يعد يستهدف فقط ميراث غير المسلمين، بل المسلمين أيضاً بنسفه المساجد والأضرحة.

والغرض هو فرض رواية تاريخية تقول إن تاريخ "الكون" بدأ مع مجيء الإسلام، وكل ما كان قبله لا معنى له، ويجب أن يختفي إلى الأبد، من جهة. ومن جهة ثانية، بعد التطهير الحضاري ـ الديني بعزل العنصر غير الإسلامي، يبدأ التطهير الديني داخل الدائرة الإسلامية بالحكم على من/ما هو مسلم حقاً، حسب معايير داعش ونظيراتها، وما هو غير ذلك (منطق الطائفية)، لإقصائه ثم تصفيته.

فالجماعات الإرهابية تريد فرض روايتها التاريخية، وصقل هوية سكان المنطقة العربية وفق أهوائها، على أساس أن لا وجود لما هو سابق لظهور الإسلام. وهذا، طبعاً، دلالة على عقم منطقها وبشاعة سلوكها. فجزء من المسلمين يتحدّر من هذه الشعوب التي شيّدت حضارات، وتركت معالم تراثية شامخة، بعد أن اعتنق أجدادهم الإسلام، فضلاً عن أن المعالم المستهدفة إرث مباشر لجزء من سكان المنطقة العربية من غير المسلمين. وفي المحصّلة، هي إرث الجميع من مسلمين وغير المسلمين، إنه ميراثهم المشترك، بل ميراث الإنسانية المشترك، ولا يحق لأي كان أن يمتلكه، أو أن يتصرف فيه على هواه، ناهيك عن نسفه. ومن ثم، فالتطهير الحضاري الديني بشقيه جريمة في حق البشرية جمعاء، وبكل المقاييس.

"هل يمكن لأي بلد، مهما كان حجمه وانتماؤه، أن يتنكر لماضٍ عريق، مثل حضارة بلاد ما بين الرافدين؟"

يريد هذا المنطق الإرهابي التدميري أن يجعل الشعوب الإسلامية لقيطة مجهولة الأصل والنسب والهوية، لأنه يعتبر ظهور الإسلام نقطة البداية للتأريخ لمجزرته التاريخية في حق المسلمين وغير المسلمين. فماذا يبقى من العراق، مثلاً، لو تنكّر لتاريخه وعمقه الحضاري السابق للإسلام؟ هل يمكن لأي بلد، مهما كان حجمه وانتماؤه، أن يتنكر لماضٍ عريق، مثل حضارة بلاد ما بين الرافدين؟ وماذا يبقى من تونس لو تنكرت لماضيها الفينيقي ولقرطاج؟ وماذا يبقى من الجزائر لو تنكرت لماضيها (وحاضرها) الأمازيغي، ولمملكة نوميديا الأمازيغية التي قاوم بعض قادتها الإمبراطورية الرومانية؟ وماذا يبقى من مصر، لو تنكرت لماضيها الفرعوني؟ فإنْ هذه البلدان وغيرها فعلت، ستصبح مقطوعة الأوصال، لقيطة حضارية لا ماضي لها، ومن لا ماضي له لا حاضر له، ومن لا حاضر له لا مستقبل له. ومن لا تاريخ له، بغض النظر عن معتقداته السابقة واللاحقة، فلا أصل له. ذاكرة الأمة وتاريخها جزء من كينونتها وهويتها. فالماضي غير الإسلامي جزء من التاريخ الإسلامي، ولا غرابة في أنه حتى في عز توظيف المسلمين للإسلام في الصراع على السلطة، عبر مراحل التاريخ، لم يتجرأ أحد على تدمير المعالم التراثية والروحية والحضارية لغير المسلمين. هذا يعني أن الدولة الإسلامية التاريخية تقوم على استيعاب ما سبقها، وصيانة المعالم الروحية والحضارية لغير المسلمين، مثل المعالم الإسلامية التي شيدتها في ما بعد.

إضافة إلى استهدافه عالم الأشخاص (قتل الناس الأبرياء من مسلمين وغير المسلمين ورجال الأمن)، وعالم الأفكار (استهداف أصحاب الرأي المخالف ورموز حرية التعبير)، ها هو الإرهاب يستهدف، اليوم، عالم الأشياء بتدميره المعالم التاريخية الروحية والحضارية (غير الإسلامية والإسلامية)، لشعوب المنطقة (نقتبس، هنا، فكرة العوالم الثلاثة عن مالك بن بني، لكن لا نستخدمها في المعنى نفسه). ومن هذا المنظور، فإن استهداف متحف باردو في العاصمة التونسية في غاية من الرمزية، لأنه دلالة على نقلة نوعية في الهمجية التي تكتسح العالم العربي. ويبدو أن داعش ونظيراتها تريد نقل المنطقة العربية من مشروع حضاري، وهو محو الأمية، إلى مشروع لا حضاري، هو محو التاريخ (تاريخ المسلم وتاريخ الآخر غير المسلم). ويجد منطقها (التدميري للمعالم الأثرية)، صدى في أوساط دينية محافظة، بما فيها الرسمية التي تتحدث عن تحريم التماثيل. وبالنظر إلى التقاطع بينهما، لا سيما من خلال ثقافة التحريم، فإن العالم الإسلامي بحاجة إلى قطيعة معرفية، تأتي على مفتن الديار، كما تأتي على مفتي الديار.

العربي الجديد
 


قضايا وآراء
مأرب