الخميس, 19 مارس, 2015 08:02:09 مساءً

نلاحظ اليوم أن الليبرالي العربي أصبح يدرك أن الحالة العربية مختلفة عن شكل وروح النموذج الغربي، فقد استوعب حقيقة أنه كي ينجح لا بد له من تشكيل مشروعه الليبرالي المنطلق من أرضيته وخلفيته الثقافية
من الظلم أن نبدأ الحديث عن الليبرالية في الوطن العربي من منظور التنظير والمنظرين لها من جهة، أو من منظور تخيلات ومواقف المعارضين للمشروع الليبرالي بكليته، فالمشهد ما زال مشوشا ومرتبكا إلى حد بعيد بالنسبة لمفهوم الليبرالية وماهيتها لدى السواد الأعظم من العقل العربي عموما والإنسان العربي على وجه الخصوص، فالعقل العربي حديث العهد بها، ويرفض أجزاء كثيرة منها دون حتى أن يفكر في مناقشة دوافعها أو ماهيتها أو أهدافها، ويعدها البعض مشروعا كارثيا هادما للدين والمجتمع بكل بساطة، ويرى البعض الآخر المتعلق بالسلطة أنها تمثل خطرا على بقاء قبضته قوية على الشعوب ومشاريع سيطرته المطلقة، بسطحية كهذه يتعامل جزء عريض من العقل العربي مع الفكر الليبرالي!!

وأعزو ذلك إلى الطريقة الحماسية التي بدأ بها مشروع الليبرالية في بعض الدول العربية، وهي حماسة تجاوزت أحيانا حماسة الليبرالية في منشئها الغربي بكثير، ما أدى إلى حالات متعددة من الصدامات ذات المنطلقات المختلفة دينيا وسياسيا.

وأرى أن تلك الحماسة نتجت عن حالة الاختناق غير المسبوق الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية على مستوى الحريات الشخصية والاجتماعية والسياسية والفكرية، والذي صعد بالفكرة الليبرالية إلى مصاف ومراتب المخلص الأوحد لكل مشكلات البؤس العربي، وكل حالات التخلف الاجتماعي والفكري، وواقع التشرذم، وتراجع معدلات الوعي والثقافة بنسب مخيفة جدا.

وقد أسهم في صنع هذا الوضع المرتبك تراجع مشروع الوحدة العربية، ذلك الحلم المنطلق من فكرة (القومية العربية) في فترة تاريخية قريبة، الذي كان مشروعا لحلم الوحدة العربية، ليكون انهياره بكل زخمه وشعاراته قوة دافعة لبروز المشروع الليبرالي في الوطن العربي والثقافة العربية، كبديل يمكن التعويل عليه لتحقيق وحدة عربية بطريقة ما، تخفف من وطأة سقوط الشعارات الثورية اليسارية على امتداد الوطن العربي.

وأظن أن ذلك قد أوقع (الليبرالية بشكلها العربي) في مآزق عدة على صعيد العمل الثوري الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ووضعها أمام جبهات حروب وصدامات مختلفة الاحتياج والتوجه والأغراض. ليدرك الليبرالي العربي أنه أمام تحديات لا بد من تفصيلها وترتيب أولوياتها أولا ليتغلب عليها، وينجح في الإبقاء على آماله في تحقيق المشروع الليبرالي عربيا، متجنبا النهاية المؤلمة لمشاريع اليسار وأحلامه.

اليوم يمكننا أن نلاحظ دون شك نضوج جزء كبير من عقلية الليبرالي العربي، الذي أصبح يدرك أن الحالة العربية مختلفة عن شكل وروح النموذج الغربي، واستوعب حقيقة أنه لينجح لا بد له من تشكيل مشروعه الليبرالي المنطلق من أرضيته وخلفيته الثقافية، أو هكذا بات يفكر ويظن على الأقل، وهو ما قد يعارضه فيه بعض أبناء جلدته من المنتمين إلى الليبرالية الأوروبية المقولبة شكلا ومضمونا، والذي يتناسى العوامل والفوارق بين العقليتين اللتين تتبنيان أفكار الليبرالية على جانبي المعسكرين العربي المستورد للفكرة، والغربي صاحب التجربة والتطبيق.

وأدرك أن أهم عوامل نجاح الفكرة الليبرالية في الغرب تمثل في دعم ورضا عقلية طبقة الأغنياء المسيطرين على الأموال، أو ما يسمون بـ(الطبقة البرجوازية) في المجتمع الغربي، والتي رأت في ذلك الفكر ما يخدم مشاريعها التوسعية الاقتصادية ويقوي من سيطرتها السياسية، بعكس العقلية العربية التي رأت في الفكر الديني الطريق الأنسب لتحقيق كل مآربها ومشاريعها، وركزت جهودها لتحقيق مخططاتها باعتماد التحالف مع فكر التيارات الدينية المسيطرة بشكل ما على المجتمعات العربية. وهي المدرسة السياسية القديمة المتجددة عبر قرون التاريخ الإنساني.

لقد جاء مشروع الفكر الليبرالي إلى الوطن العربي محملا بحزمة كبيرة من الأحلام والتطلعات، كالديمقراطية، والحداثة، والعقلنة، والانفتاح، والحريات، وهي مشاريع عظيمة ليس من السهل إسقاطها هكذا دفعة واحدة، على مجتمع ألف عبر قرون تاريخية فكرا بعينه، دون العمل على رفع كفاءة عقل الشارع الذي سيكون صاحب القرار في النهاية.

فالعقل العربي يتحرك عادة كعقل جمعي عادي الذكاء، ولن يستبدل بين عشية وضحاها أفكاره ومعتقدات تراثه التي اعتاد على وضعها نصب عينيه كمرجعيات لا بديل عنها أو لها، ولن يقبل حتى بمبادئ الحرية والتحرر والحريات الشخصية الملتبسة تاريخيا في أعماق العقل والثقافة العربية، فهو لا يعدها قيمة إنسانية مستحقة للفرد يمكنها أن ترتقي إلى مكانة تقرير المصير مثلا.

من هنا نرى أهمية أن يكون العمل منصبا بالدرجة الأولى على رفع كفاءة وعي وثقافة عقل الشارع العربي، ومحاولة تشكيل وعي يتماهى مع أفكار ليبرالية ذات طابع ثقافي عربي، تراعي الأهداف النبيلة لمشاريع الفكر الليبرالي، وتقترب من روح إنسانه قدر الإمكان لا أن تصادمه وتستثيره، فالنهاية لن تكون بعيدة عن نهايات مشاريع كثيرة سابقة له في الوطن العربي.

الوطن أون لاين


قضايا وآراء
انتصار البيضاء