الجمعة, 11 نوفمبر, 2022 08:14:51 مساءً

بقلم/  أحمد عبدالملك المقرمي
لما تخلف الصحابة: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، و مرارة بن الربيع - رضوان الله عليهم - عن غزوة تبوك دون عذر؛ أمر الرسول صلى الله عليه و سلم الصحابة كافة، بعد عودته، بعدم الحديث معهم، كعقوبة لهم عن تخلفهم.
مضت الأيام، وضاق الأمر بالثلاثة، حيث قاطع كل من في المدينة المنورة الكلام معهم؛ فضاقت بهم الأحوال حتى كان أقرب الناس قرابة منهم لا يكلمهم.
أما هلال وأمية فقد لزم كل منهما بيته يبكي خطيئته، وأما كعب بن مالك فقد كان يتجول في المدينة، ويمشي بين الناس، بالرغم من أنه لا يجد أحدا يكلمه.
طال عليهم الزمن، وضاقت عليهم أنفسهم، ولعل كعب بن مالك كان أكثر إحساسا بهذا الضيق؛ لأنه كان يخرج بين الناس فيجد إعراضهم عن الكلام معه فيضاعف هذا الضيق عنده.
وفيما كعب بن مالك يمشي في المدينة المنورة، إذا برجل من أهل الشام، ينادي ويقول: من يدل على كعب بن مالك، فراح الناس يشيرون له نحو كعب، فيقترب الرجل من كعب ويسلمه رسالة من ملك غسان؛ وإذا الرسالة تعلن تضامن ملك غسان، بل وتدعوه إليه، فيقرؤها كعب، فإذا فيها: "أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك".
إلحق بنا نواسك !؟.. يا له من عرض مغرٍ ومثير.. عرض جاء في وقته.
ملك يدعوه ليواسيه ويقربه إليه!  آن لكعب أن يرد الصاع صاعين، وأن ينتقم لنفسه. هكذا يمكن أن يقول كل ضعيف الإيمان قليل المروءة، فقير الرجولة، هكذا يمكن أن يقول وأن يفعل.
إنها رسالة بلاء، وموقف ابتلاء (إلحق بنا نواسك) والنفس أمارة بالسوء، ولا تكون النفس أكثر استجابة لردود الأفعال مثل هذا الظرف، ولا يتجند الشيطان أو يتمحظ للوسوسة، كما يتجند عند مثل هذه الحال، فإذا النفس تتجاوب وتستجيب. ونزعات النفس إذا خمّرها الغضب، وأوقدت لهبها ردود الأفعال دمرت، فلا يتردد بين جنباتها إلا السخط الأحمق، والتصرف المشين.
كان كعب بن مالك شاعرا، والشاعر - يومها - هو الناشط الإعلامي، والقناة الفضائية، وهو المؤسسة الإعلامية، وربما - إلى جانب استغلال ملك غسان لظرف المقاطعة لكعب - لأن كعب بن مالك شاعر، أراد ملك غسان ضم هذا الشاعر إلى بلاطه؛ لتسخيره ضد النبي محمد وصحبه، حيث هذا الشاعر يعرف الكثير عما يريده ملك غسان.
تبا لها عبارة؛ إلحق بنا نواسك.. إنها ماتزال قاعدة التعامل عبر الزمن مع الضعفاء المهازيل من المتطلعين لها، والمرتهنين إليها!
والمرتهنون لها اليوم صنفان من الناس؛ صنف أكثر رخصا، وأكثر ابتذالا لنفسه؛ يوم يلقي بها للتمسح في عتبات هؤلاء أو أولئك، لعله يحظى في أن يجد فرصة - عند ركب هذا أو قدم ذاك - لا لينتظر من يقول له: إلحق بنا نعطيك.. وإنما هو من يبادر ويقول: هل نلحق بك تواسينا؟
وأما الصنف الثاني فهو وإن كان برخص الأول وارتهانه، إلا أنه يحاول أن يخفي ابتذاله وارتهان نفسه فيتزلف من بعيد عبر عروض التقرب من على مسافة، حتى يسمع أمنيته ومبتغاه، من فم رب النعمة: إلحق بنا نواسك!
هذان الصنفان بلا وزن حقيقي، إذ يصيرا مجرد مداحين بالقطعة؛ سواء كانوا أفرادا أو مجموعا...!!
أما الخاسر الأكبر فهو ذلك الذي كانت له مواقف سابقة، ثم يستفزه موقف ما، أو يجد خطأ ظهر هنا أو وقع هناك، أو - حتى - هو نفسه أصابه خطأ، فكان من ردة فعله أن سعى لتحطيم المكسب على نفسه وعلى غيره بدافع من الحمق، أو ردود الفعل العمياء!
فهذا إن وجد، وهو نادر الحدوث، يخسر نفسه، ويخسر رصيده ومواقفه.
كعب بن مالك - رضي الله عنه - لم تُغْرِه رسالة ملك غسان: إلحق بها نواسك.. ولكنه تعامل معها معاملة الشامخة رؤوسهم، الثابتة أقدامهم، الراسخة مواقفهم؛ ولذا فإنه بكل كبرياء الإيمان، وثقة المؤمن ألقى بها التنور غير عابئ فيها.
هؤلاء هم الرجال، شامخون في مواقفهم، ثابتون على مبادئهم لا يضرهم من خذلهم، ولا تؤثر فيهم: إلحق بنا نواسك ممن يستعبدهم الدولار والخميصة.
من يتطلعون لسماع عبارة إلحق بنا نواسك؛ فيصبحون عبيدا لمن أسمعهم إياها؛ فإنهم عبيد تتلقفهم أيادي النخاسة هنا وهناك، حيث يصبحون بلا وزن ولا قيمة...!!
والخير كل الخير فيمن يلقي برسالة ملك غسان، أو النخاس؛ في أي زمن أو مكان في التنور، وله أن أن يدوس بقدمه على رسالة: إلحق بنا نواسك!
رسالة ملك غسان - أو من يمثل دوره - إلحق بنا نواسك مازالت تتحرك بطريقة أو بأخرى، هنا وهناك؛ بغرض شراء هذا الناشط، أو تيك، وهذا الصحفي أو تلك، وذمم هؤلاء أو أولئكم.
 لكن في المقابل؛ هناك جيل كعب بن مالك، ممن تناطح هممهم الثريا وتتجاوز الفرقدين، لا يبيعون ذممهم، ولا يطوّعون أقلامهم و مواقفهم إلا للحق.
 


قضايا وآراء
مأرب