الخميس, 20 أكتوبر, 2022 05:55:02 مساءً

يثور جدل بين الحين والآخر حول موضوع الحاكمية، وتُستدعى لإدانة الخطاب الصحوي أو الخطاب العلماني على حد سواء، والحقيقة أن الحاكمية عند سيد قطب -عليه شآبيب الرحمة - تحوّلت إلى قضية سياسية أدان بها الحكم الناصري خاصة والحكم العلماني العربي عامة، ومن ثم تلبّست بحمولة ثقيلة، أنتجت التكفير والعنف.
المبالغة الشديدة - عند سيد باعتباره شارحا للنظرية وعند المودودي باعتباره المؤسس - غيّرت المزاج الدعوي كما تنبأ بذلك أبو الحسن الندوي في كتابة (التفسير السياسي للإسلام)، وجعلت من الحاكمية وتطبيق الشريعة قضية القضايا عند جيل الصحوة، أنتجت العنف وأحضرت سؤال التكفير الذي شغل قطاعات واسعة من الدعاة!
وكأن الديكتاتور عبد الناصر هو أول من اعتمد القوانين الوضعية ولم تكن معتمدة من عهد التحديث العثماني، قبل سقوط السلطنة العثمانية!
ولم يتخلص الإسلاميون من قضية الحاكمية إلا بعد دهر طويل من العناء، وأعلن كبير فقهائهم القرضاوي بأن الحرية قبل الشريعة، وهو عين الصواب.
بل يمكننا القول إن شعارنا اليوم: الدولة قبل الحرية والشريعة.
ولم يفهم الناس ثانوية خطاب الحاكمية إلا بعد أن كتبوا دستور اليمن والسودان وباكستان وغيرهن، وجعلوا الشريعة هي المهيمنة على التشريع، ثم اكتشفوا أن ذلك الاعتراف لم يقدم للشعب أي إنجاز على الأرض، فأدرك الناس هامشية المعركة.
وأيقنوا أن صلب المعركة هي معركة التخلف الحضاري الشديد، وأن إصلاح المنظومة السياسية إحدى مداخل الحل الرئيسة وليست الحاكمية، فقد تحسّنت الحالة التركية تنمويا ودينيا دونما التفات لمعركة الحاكمية.

أدرك أن بعض التائهين يستخدمون موضوع الحاكمية للتشنيع على التيار الإسلامي الوسطي، ولكن هذا لا يمنعنا من طي صفحة تلك المعركة الوهمية مع الدساتير، وجعل إصلاح المنظومة السياسية، وقبل ذلك صناعة تحوّل مجتمعي لردم فجوة التخلف المريع، هما أولوية الأولويات.
ونترحّم على سيد والمودودي، وسيبقى اجتهادهما ضمن دائرة الاجتهاد المشروع.
..
أما أصل حاكمية الله على عباده، فهي مسألة عقدية، لا يصح إيمان العبد إلا بها قال تعالى:(ألا له الخلق والأمر) غير أن تحويلها إلى قضية سياسية وحشد الناس لخوضها فتلك خطة عقيمة لا تخدم القضية ولا الإنسان.
..
وقد يقول قائل: إنك بهذا تفتح الباب على مصراعية لمشروع الدولة المدنية المحايدة تجاه الأديان والعقائد؟
ورغم إدراك كل من له معرفة بحقيقة الدولة الحديثة وأنها لا يمكن أن تنشأ دونما خلفية عقدية، لأن قادتها ليسوا روبوتات بشرية، بل هم بشر لهم قناعاتهم، ويستخدمون جهاز الدولة لخدمة الناس منطلقين من خلفيتهم الفكرية، إلا أن ثمة قضية أهم من ذلك، وهي:
أن مصطلح الدولة المدنية شعار سياسي علماني، هدفه تمرير المشروع العلماني تحت لافتة جديدة اسمها المدنية.
وينبغي ألّا نُستدرج من قبل أذكياء العلمانية لخوض معارك مصطلحية لا طائل من ورائها من جهة، وألا نسقط في الاستنساخ الطفولي لتجربة تركيا لأن لها ظروفها الخاصة.
وعلينا أن ننصت لصوت الناس لنعلم ماذا يريدون، وسنجدهم يبحثون عن ظلال دولة تفيء عليهم بالأمن والاستقرار بعد دهر من الاحتراب الأهلي.
لقد حان وقت الإصغاء إلى الشعب، لنعرف ماذا يريد منا، ونخرج كإسلاميين وعلمانيين من دائرة الوصاية على الشعب واجتلاب المصطلحات الغريبة والمجالدة حولها، إلى الاكتفاء بمطالب وهموم الإنسان البسيط الذي يبحث عن أمن يستند إليه، ولقمة كريمة، وحكومة تخدمه لا تستخدمه، وسيجد الإنسان في بلادنا طريقه إلى الله، دونما عناء، لأن الإيمان يأرز إلى مشرقنا كما تأرز الحية إلى جحرها.



قضايا وآراء
مأرب