الأحد, 11 سبتمبر, 2022 12:19:33 مساءً

بلغ الحماس بالدير شبيغل هذا الصباح أعاليه، فوصفت الهزيمة المذلة للجيش الروسي في خاركيف [شمال شرق] بأعظم انتصارات العصور الحديثة.
الحقيقة أن تلك الهزيمة صارت حديث الساعات الماضية، ووجد من يخاطب الأوكرانيين قائلاً توقفوا عن إذلال الروس، لا تجرحوا كبرياءهم أكثر. 
اقتحم الأوكرانيون أهم حاضرتين بالقرب من خاركيف [خاركيف ثاني أكبر الحواضر الأوكرانية]، واستعادوا أغلب وأهم ما كسبه الروس في الأسابيع الأولى للحرب. أعادوا المعركة هُناك إلى فبراير 2022. مع الأيام تفلت الحروب من قبضة القوي، أو مدّعي القوة، وتغيّر أقدارها. مجلة التايم أفردت مساحة كبيرة لنقاش التمويه العسكري الذي اعتمده الأوكرانيون في هجومهم: منذ أشهر وهم يتحدثون عن تحرير خيرسون في الجنوب، وكان لافتا أنهم منعوا أي وسيلة إعلامية من الوصول إلى الجبهة الجنوبية، جبهة المواجهة المزعومة. بالمقابل قام الروس بنقل جانب كبير من قواتهم من الشرق إلى الجنوب للدفاع عن خيرسون، وما سيعنيه ذلك من دفاع عن جزيرة القرم. دارت العجلة في الجانب الآخر، الروس يدافعون منذ فترة وقد أصابهم الإعياء [فقدوا سرعتهم، كما يقول معهد دراسة الحروب، واشنطون]. جدير بالملاحظة هو قدرة الأوكرانيين على تمويه عملية عسكرية ضخمة أدت إلى تحرير مدينتين هامتين [إزيوم، بالاكاليا]. الدولة التي كانت حتى الأمس مجرد فناء للهو الروسي أصبحت منيعة استخباراتيّا على الكرملن وكل فيالقه من التقنيين والمخبرين المندسين. قبل أسبوع نجح جيش أوكرانيا الاليكتروني في تهكير النسخة الروسية من نظام الأوبر، وعلى الفور استدعى الهاكرز آلاف السيارات في نفس الوقت إلى مركز موسكو، الأمر الذي أصاب عاصمة الروس بالفوضى العامة. يضرب الأوكرانيون يمنة ويسرة، ويقدمون للعالم استنتاجا حداثياً: بالصواريخ وحدها لا تنتصر الدول. تنتمي الصوارخ، كما تقول الحرب الأوكرانية الروسية، إلى القرن العشرين. 
حتى الهاكرز الروس كانوا واحدة من كذبات الديكتاتور الأحمق. إذ إن آخر انتصاراتهم كانت السيطرة على النظام الإليكتروني الخاص بدور رعاية المسنين في انجلترا، والمطالبة بفدية تصل إلى 30 مليون دولاراً. خارج هذا الحقل من الجريمة تبدو القدرة التقنية الروسية محدودة، لنقل: واحدة من أكاذيب الديكتاتور الأحمق. اعترفت روسيا بهزيمتها في خاركيف، ولكن وزارة الدفاع قدمت الاعتراف على طريقة "فررت فرار الأسد"، وهكذا فإن قواتها وهي تفرّ من مواقعها قتلت ألفي مقاتل أوكراني ومن جنسيات أخرى.
مثلت روسيا في الأعوام الماضية أهم داعم للدول المارقة، وقدمت نفسها بوصفها الإمبريالية الجديدة التي تحيط أنظمة الحكم بحرّاس من فاغنر مقابل استغلال الأراضي الحيوية للدولة لصالح موسكو. تخلت عن كل إرثها اليساري، ووضعت الماركسيين الروس في مكان العملاء والإرهابيين، وحفرت في تاريخها الإمبراطوري بعيداً. كان إيفان الرهيب شخصية تثير الرعب في التاريخ الروسي، إلى أن قرر بوتين قبل عقد من الزمن إلغاء كل ما يسيء إلى ذلك الإمبراطور البربري، وهكذا أعيد إنتاجه بوصفه بطلاً. ومؤخراً تساءل مثقف روسي عن لماذا اختفت الروايات التاريخية التي تقول إن إمبراطور روسيا نيفيكسي [القرن الثالث عشر] انهزم أمام التتار، ومن أجل حماية ما بقي له من ملك قام بدفع إتاوة دورية لقادتهم. التساؤل المعرفي البسيط قاد أجهزة الأمن الروسي إلى اختطاف المثقف من منزله ليكون عبرة. ابتلع بوتين صورة زائفة عن نفسه، وحقن نفسه برواية تافهة عن مجد روسيا الذي يفوق كل مجد على الأرض. 
القومية الراديكالية تصير في النهاية إلى فاشية بربرية، والفاشيات تقتل شعوبها قبل أن تذهب إلى الآخرين. الحقيقة أنها سرعان ما تتعثر في صراعها مع الخارج، ذلك أنها تكون واقعة تحت تخدير تاريخي زائف يجعلها عاجزة عن رؤية مشاكلها الجوهرية. رأينا قطاراً رهيباً من القوات الروسية [ستون ميلاً من العربات العسكرية] يتجه إلى كييف، قبل أن يفصح ذلك القطار عن كل شيء في روسيا: تقنية قديمة، خطة تحرك حمقاء، أجهزة اتصال متهالكة، تعتيم إعلامي داخلي حتى على مستوى قادة الكتائب، واحتقار بغيض للخصم. وقع ذلك القطار العملاق في قبضة الكمائن والمسيرات والمدفعية، وقبل أن يعود أدراجه مشتتاً كان العالم قد تنفس الصعداء: العملاق الروسي أكذوبة، لقد صدقنا ما قاله الديكتاتور الأحمق عن نفسه. 
في محاضرة ألقاها فوكوياما في البلقان، قبل أشهر، قال إن هزيمة بوتين في روسيا ستماثل، في نتائجها وأثرها، انهيار الاتحاد السوفيتي، ما سيعطي دفعة لكل القوى الديموقراطية في العالم،ّ وسيعزز من وضع الحرية والاستقلال الوطني. كل ديكتاتور هو أحمق بالضرورة، فهو من خلال ممارسته للعنف الشامل والمجاني يغلق شرايين المعلومة، ويحيط نفسه بالضعفاء والخائفين، ثم يبني قراراته الهامة على عجز حاد في المعلومات، وتقديرات سطحية لا تأخذ ألف عنصر في الحسبان. ونتيجة لذلك فإن ما يصدر عن الفرد الديكتاتور [وليس المنظومة الديكتاتورية كما في حالة الصين] يصبح حمقاً خالصاً. يحكم بوتين كفرد، وكان الاتحاد السوفيتي يحكم كمنظومة، وهكذا استطاع الروس السوفيت بعد نقاش داخلي حاد في ستينات القرن الماضي تفادي الدخول في حرب مدمرة مع الصين بعد اشتباكات حدودية استمرت من أبريل حتى أكتوبر 1969. ولو ترك الأمر للفرد، وكان الفرد آنذاك متحمساً لتأديب الصين، لحدثت واحدة من أسوأ حروب التاريخ. 
وفي حقيقة الأمر فإن كل معركة تحرير في العالم هي معركة تخص كل العالم. وكل ديموقراطي حر يقف دفاعا عن خياراته فهو يقف حامياً لكل خيار حرّ في العالم. فالربيع العربي كان صرخة تونسية في الأساس، إلى أن قضت عليه الشعوب العربية نفسها، الشعوب وليس الأنظمة.
وكما أن الحرية مُعدية، فإن الديكتاتورية معدية أيضاً وسريعة الانتقال. 


قضايا وآراء
مأرب