السبت, 30 يوليو, 2022 08:26:21 مساءً

بقلم/ د. أحمد أمين 
قرأت كتاب "الفتنة الكبرى" لـ طه حسين، و"الفتنة" لـ هشام جعيط، و"الفتنة والانقسام" لـ عبد الإله بلقزيز، فوجدت قراءات تحليلية عميقة للمجتمع الإسلامي، وظروف نشأته، وبذور انقساماته، والشخصيات المؤثرة فيه آنذاك، وتأثير القبيلة والغنيمة والصراعات القديمة بين الأسر ودورها في تأجيج الفتنة والصراع فيما بعد.. الخ 
وجدت قراءة منطقية تستند إلى النصوص التاريخية، وتحاول تفكيكها وتحليلها ومعالجتها وصولا لعمق الحدث أو الشخصية التي حركت الحدث أو كانت جزءا منه. ولم أجد تحامل على هذا أو ذاك بقدر ما كان النص دليل الكاتب للفكرة التي يريد إظهارها. في الوقت نفسه عملوا جميعا على نقد النصوص وفحصها وعدم التسليم بصحتها مطلقا، بل كانوا يعرضون النص للتحليل العلمي والمنطقي فيقبلون بعضه ويردون البعض الآخر، فليس كل ما قيل بالضرورة صحيحا أو كاذباً وإنما يجب أن يخضع للفحص المنهجي العلمي..
 ولذلك، أعتقد أنهم قدموا خدمة كبيرة للتراث والثقافة الإسلامية بصرف النظر عن مدى اختلافنا أو اتفاقنا مع وجهات نظرهم، لكنهم في النهاية عرضوا أفكارهم وفق منهج علمي مقبول لا يمكنك إلا احترامه والتعامل معه...
من هذا المنطلق لا أدري- حقيقة – المنهج العلمي الذي أخذ به مروان الغفوري في نقده وتفكيكه وتشريحه العنيف لشخصية علي ابن ابي طالب!!!
هل يمارس شهوة الانتقاص والحط من قيمة الرجل والتشنيع عليه بكل رزيه وتقديمه في أبشع صورة يمكن أن تقدمها لشخصية صحابي. وهو أسلوب يمكنك تطبيقه بسهوله على كل الصحابة، وستجد فيهم من الأخطاء والخطايا الشيء الكثير. ستقول في أبي هريرة أنه كان يكذب ويزور الأحاديث، وستجد مستنداً لقولك. وستقول، إن الزبير وطلحة حرضا على قتل عثمان طمعا في الخلافة، وستجد مستنداً على ذلك، وستقول أن ابن عباس سرق أموال المسلمين في البصرة وهرب بها إلى مكة وخان عليا الذي ولاه وستجد مستندا على ذلك، وستقول أن عائشة أبغضت عليا لموقفه من حادثة الإفك ولأنه من جهة ثانية - كما أورد طه حسين وهو قول في غاية السماجة - انجب الحسن والحسين اللذين فرح بهما رسول الله حيث لم يتمكن من أن يحظى بمثلهما من عائشة فزاد بغضها له بسبب ذلك!! لكن أين المنهج العلمي من كل ذلك؟! وهل كل ما قاله المؤرخون الذين كتبوا تلك الروايات سلموا من الأهواء والأغراض والتدليس ومن وطأة الصراع السياسي والقبلي الذي ألقى بظلاله على أجواء تلك الحقبة الزمنية بامتدادها المتوارث من حقبة الجاهلية؟
ما أريد قوله: أن عليا كبقية الصحابة له أخطاؤه وحسناته ويتعين دراسة شخصيته (وشخصية الصحابة عموما) وفق منهج علمي غير متحيز يذكر ماله وما عليه بحيادية كاملة معتمدا التدقيق والفحص العلمي للروايات أولا، وعلى أصول الإسلام وقواعده التي يفترض أن الصحابة كانوا يعرفونها قبل غيرهم وملتزمين بها وخاصة فقهاء الصحابة الكبار أمثال: علي وعمر وعثمان من الذين كانوا يمثلون صورة الإسلام النقية الصافية بل والمثالية إلى حدا كبير ...
هل يمكن - مثلا- قبول رواية أن علي كان ينام بين جاريتين في فراش واحد؟! هل بلغت به الوقاحة وقلة الدين هذا المبلغ؟! هذا أمر يترفع عنه المسلم البسيط العادي فكيف يفعله علي المشهود له بالفقه والورع؟!
هل يعقل أن عليا كان عاطلا عن العمل يتسول لقمة العيش؟!! أو ربما كان يمارس البلطجة (أو أنه كان متهبشا) لتوفير قوت يومه؟!  يبقى السؤال مشروعا كيف كان يعيش الرجل؟ ومن أين ينفق أو من الذي كان ينفق عليه؟! لكن لا يجب التسرع في الإجابة والحكم عليه بأنه كان متسولا فهذا أمر لا يستقيم مع رجل عاش في كنف النبي منذ طفولته، وينتسب إلى طائفة من الناس ترى لها بعض الخصوصية. المسألة أصعب من أن نحكم عليها بتلك السهولة وهي بحاجة للبحث والتمحيص وفق منهج بحثي غير متحيز ولا يضع صورة مسبقا ثم يبحث عن أدلتها.
خلاصة الموضوع، من حيث المبدأ؛ لا مشكلة في وضع أي شخصية صحابية موضع النقد والتمحيص والدراسة والتحليل فهو في نهاية المطاف إنسان عادي له اخطاؤه وحسناته، لكن في المقابل علينا أن نكون منصفين وموضوعيين، ونتبع أسلوبا علميا في البحث. 
الأمر الآخر الأكثر أهمية، هو أنه يتعين علينا في المقام الأول البحث في الحياة السياسية لعلي ابن ابي طالب، وهل كان له دور مباشر أو غير مباشر في تغذية الفتنة والصراع بين المسلمين سواء زمن عثمان أو بعده ثم في الصراعات المتوارثة إلى اليوم؟! هل كان له دور في بعث النعرات القبلية والسلالية التي دفنها الإسلام أم لا؟! 
هل كان متشوفا للخلافة من باب الأحقية السلالية والطبقية وهل دفعه ذلك لممارسة أدروا مسيئة أو مشبوهة نالت من وحدة المسلمين وأسست فيهم الفرقة والخلاف إلى يومنا هذا أم أنه كان كواحد من عامة الصحابة الذين انخرطوا رغما عنهم في أحداث الفتنة رغم تحاشيهم لها؟!
حدثني عن الدور السياسي والتأثير القبلي والطائفي والسلالي لعلي ومدى مسؤوليته أو عدم مسؤوليته في انقسام المسلمين شيعا وجماعات وفرق وما أعقبها من صراعات سياسية ومذهبية وقبلية .... إن كان له دور.
لا يهمني ما إذا كان علي رجل مزواج يعشق النساء وينجب عشرات الأبناء، أو إذا كان رجل أصلع بطين ثقيل الحركة وكسول.. ما يهمني دوره السياسي كرجل كان له أبرز الأثر في صناعة تاريخ أمه لا زالت تستعيد تاريخه وتبني عليه إلى يومنا هذا!!
بعبارة أخرى.. نستطيع مناقشة تطلعه للخلافة - وهو أمر واضح وجلي - ومناقشة دوره في اتساع الفتنة والحروب أيام خلافته. بل يمكن مناقشة مدى شرعية خلافته من عدمها وفق منهج علمي وشرعي. فهو تولى الخلافة من قبل قتلة عثمان الذين قتلوا خليفة مجمع عليه ثم جاءوا بشخص عينوه بالقوة خليفة للمسلمين لم يتوافق عليه الجميع وكثيرون رفضوا بيعته. وهو ما يفتح الباب للطعن في شرعية خلافته إذا طبقنا قواعد الاسلام وأصوله التي أقرها علماء المسلمين ... فهل يستطيع الغفوري أن يكون أكثر موضوعية وعلمية لو ناقش تاريخ علي السياسي مبتعدا عن الجوانب الشخصية التي لا قيمة لها في البحث وتستند في الأغلب على روايات شيعية كما قال الغفوري نفسه. ذلك أن الشيعة كانوا أكثر خوضا في حياته الشخصية إلى درجة يستحيل تصديقها...
إن مناقشة وتحليل وتفكيك التاريخ السياسي لعلي هو الأجدى والأسلم والأكثر أهمية. وهو ما يجب الكشف عن تفاصيله ونتائجه وما قاد إليه منذ زمن علي إلى يومنا هذا.!


قضايا وآراء
مأرب