الجمعة, 22 يوليو, 2022 11:19:23 مساءً

مطلع العام ١١ للهجرة كانت وفاة النبي محمد، وبعد ٢٥ عاما من رحيله سيقتل خليفته الثالث عثمان. ربع قرن من الزمن بين الرحيلين عاشت فيه الإمبراطورية العربية عصرها الذهبي، إذ باتت - لحظة مقتل عثمان- تمتد من آسيا الوسطى حتى غرب أفريقيا أفقيا، ومن اليمن حتى قبرص عموديا.
تحول العرب من قبائل مشتتة إلى إمبراطورية مركزية وجيش عملاق، ودخل في الخدمة العسكرية لأول مرة أسطول بحري يتحرك في شرق المتوسط، بأمر من عثمان. ودون المؤرخون قصة قائد عربي انتصر في مائة معركة حربية متتالية منها واحدة كسبها في مواجهة مع النبي نفسه. سيقول عنه الباحث العسكري الباكستاني أ. أكرم، في دراسة فنية مثيرة، إنه أحد رجلين في التاريخ العسكري لم ينهزما في حياتهما قط، الآخر كان اسمه جنكيزخان.
ريع قرن حافل بالارتجاجات، ودع فيه العالم روما وفارس واستقبل الإمبراطورية العربية.
رجل واحد غاب عن كل تلك المعارك والأحداث واختبأ في بيته في المدينة المنورة، ولم نجد له أثرا. اسمه، بلا غرابة، علي بن أبي طالب. وضع سيفه في غمده ربع قرن من الزمن، وأمر أبناءه بالبقاء إلى جواره. الحقيقة أن عليا لم يعتزل زمن الفتوحات العربية وحسب، بل كان قد اعتزل حروب الانقلاب أيضا (المسماة حروب الردة). في الحروب تلك انقلبت الجزيرة العربية برمتها ضد النظام الجديد، ولم يتبق مع دولة أبي بكر سوى مكة والمدينة وجزء من ثقيف. وعندما التمس الخليفة عونا من علي اعتذر الأخير وتلكأ، وترك الأمر برمته ولزم بيته.
تجاهل علماء السنة هذه المسألة الخطرة، وتحاشوا الخوض في أمر خطر  على شاكلة: لماذا رفض علي الاشتراك في الفتوحات العربية الإسلامية؟ يذكر البلاذري في فتوح البلدان، والمسعودي في مروج الذهب إنه حين عرض عمر بن الخطاب عليه (على علي) قيادة الجيش في معركة القادسية أبى علي ذلك وكرهه!
ثمة سكوت مريب، لدى كل المؤرخين، حول غياب علي وبنيه عن معارك العرب والمسلمين، وبالكاد نجد إشارة مهمة، بالغة الدلالة، عند ابن تيمية في مجموع الفتاوى: جميع الحروب التي حضرها علي بعد وفاة النبي ثلاثة: الجمل، صفين، والنهروان. وهي، كما نعرف، تلك الحروب التي ارتبطت بسعيه لتوطيد مملكته. دفع ابن تيمية ثمن تلك الإشارة، وإشارات أخرى إلى بطولات علي المزيفة (وصفها ابن تيمية في مجموع الفتاوى بالأكاذيب التي تشبه قصص عنترة والأبطال)، ووضع في منزلة الرجل الذي ينال من مقام أحد المبشرين بالجنة.
وبالعودة إلى قائمة العشرة المبشرين بالجنة، كما أوردتهم كتب الحديث، فقد اشترك علي بصورة مباشرة في قتل اثنين منهم (طلحة والزبير في موقعة الجمل)، وبصورة غير مباشرة في قتل الثالث (عثمان الذي قتله الأشتر ورجاله، وهم رجال علي)، وكاد جيشه يفتك بعائشة ويسبيها، وهي زوجة النبي الذي بشره بالجنة. ما يعني أن ثلث قائمة المبشرين بالجنة قتلهم رجال علي، وسيصبح الرجل الذي يحتكر القائمة، أو هو إياها (في نهج البلاغة، خطب علي والخطب المنسوبة إليه، هجوم قاسي ضد الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه، ما يرفع أعداءه في قائمة العشرة المبشرين بالجنة إلى خمسة، أي ٥٠%).
لماذا غاب عن حروب الردة؟ يجد علماء الشيعة في ذلك الموقف مادة ثمينة لشرح رؤيتهم للإسلام: انقلب العرب على الإسلام لأنهم رأوا أن السقيفة جاءت على حساب الغدير، وأن خلافة أبي بكر خيانة للإسلام (جعفر المرتضى، الصحيح من سيرة الإمام علي). كما لم يشارك في الفتوحات لأنها حروبا بقيادة مغتصب للسلطة، ولا جهاد بلا إمام (السيد الخوئي، مصباح الفقاهة، ١/٨٥٠). وسيتردد الأمر على لسان جعفر الصادق شارحا موقف جده وموقف أحفاده من الفتوحات: لو كان خيرا ما سبقونا إليه.
إن أخطر مواجهة بين الإمبراطوريتين العربية- الرومانية حدثت في اليرموك، فيها حشد العرب كل قادتهم وقبائلهم، وحشد الروم مقاتليهم من كل أوروبا وصولا إلى السويد. وبينما أصيب يزيد بن أبي سفيان، وكان أحد القادة، وحضرت هند إلى المعركة، إلى جوار زوجها وراحت تحرض الرجال على الصمود، وسقط عكرمة بن أبي جهل وابنه ضمن القتلى العرب .. كان علي وأبناؤه في منازلهم في المدينة، غير آبهين بأنباء المواجهة التي ستغير شكل التاريخ. أدرك العرب معنى أن تكون لهم إمبراطورية، فانطلقوا ليدافعوا عنها، وشق خالد بن الوليد وجيشها صحراء العراق إلى الشام في مغامرة عسكرية قل لها نظير من أجل إسناد المعركة الأكثر حسما. تختفي تلك المعركة من سيرة علي، لا مكان له في أي صفحة تخص حروب الإمبراطورية العربية.
كان علي رجلا بدينا، عظيم البطن، قليل المشي، أعمش العينين، وكان يمشي ثم يتوقف ليلتقط أنفاسه ( كما عند: ابن حنبل، الصنعاني، الطبراني، البلاذري، ابن سعد، الأصفهاني، وغيرهم). هذه مواصفات رجل محدود الحركة، أبعد ما يكون عن الفارس. وقد وردت أيضا على لسان فاطمة حين أبلغها أبوها بخطبة علي، وكان عمره آنذاك 27 عاما (الصنعاني، الطبراني، ومصادر شيعية كثيرة). إن بنيانه الجسماني، وهو في شبابه، لا يعكس أي صورة عن محارب متمرس. وسبصبح مع تقدم السن أثقل، وسيوصف بأن له منكبان كمنكبي البعير. صورة تتواءم كليا مع ما نعرفه من تاريخه. فبرغم أن غزوات الرسول وسراياه تجاوزت المائة إلا أنه لم يمنح عليا القيادة سوى مرة واحدة: غزوة خيبر، ٧ للهجرة. وتلك لم تكن حربا، بل حصارا ضرب على واحة في الصحراء.
لم تكن خيبر معركة، كما قلنا، بل حصارا استمر زهاء ستة أسابيع انتهى باستسلام يهود تلك الواحة بعد اشتباكات محدودة عند بعض الحصون (عددها ٨ حصون متباعدة تفصلها أحراش ومزارع وأخاديد بركانية، كما تبين دراسة لڤيسيا ڤاليغيري بعنوان إنسكلوبيديا الإسلام). كانت خيبر يسكنها زهاء عشرة آلاف يهودي، وكانت مشغلا كبيرا للمنسوجات، فضلا عن الزراعة، ولم يكن أهلها مجتمعا مقاتلا.
 ولأن عليا رجل بلا تاريخ عسكري فقد وجد مبجلوه في تلك الحادثة مناسبة لخلق أكثر القصص زيفا في التاريخ: يقتل مرحبا ويرفع باب الحصن الثقيل بيده. قلنا إنها حصون عدة، ولم تكن ثمة معركة على الأرض، فأي باب رفعه؟ في مثل تلك الهوامش صنع عليا لنفسه أسطورة المقاتل، وأردى فارس اليهود الشهير مرحب الذي زأر وأخاف المسلمين. وحتى أرحب هذا فإنه اشتبك مع محمد بن سلمة وسقط قتيلا على يديه، كما عند الواقدي وأحمد بن حنبل.
 من مكان آخر، في معركة الخندق، تخرج قصة أخرى عن البطل المهيب ابن أبي طالب. تذهب القصة إلى القول إن خمسة فرسان من قريش بقيادة عمرو بن عبد ود يجتازون الخندق ويخيفون المسلمين فيتصدى لهم علي رغم معارضة النبي وخوفه وتوجسه (قال لعلي: إنه عمروا يا علي، فيرد عليه علي: ليكن عمرا). كي يقتل علي بطل اليهود مرحب في خيبر لا بد للقصة أن تقول إن مرحبا هذا كان قد هزم أبا بكر وعمرا في اليومين السابقين. ومن أجل أن تكتمل بطولته في الخندق فلا بد  للقصة أن تأخذ هذه النهاية: فقال عمر بن الخطاب لعلي: هلا سلبته درعه فلم يصنع العرب أفضل منها! يبدو عمر داخل هذه القصة لصا مشغولا بالسلب، وعاجزا مهزوما في خيبر. الرمزية السياسية للقصتين جلية، مهمتهما اغتيال عمر في ساعة تنصيب علي بطلا. بيد أن هذه القصة ذهبت بعيدا وأصابت النبي نفسه، ذلك أن صحابته الذين لطالما قالوا "كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله" رأوه هذه المرة وهو ينكمش ويتقي بعلي!
لم ترد قصة عمرو بن عبد ود سوى لدى هوامش المؤرخين، وتطابقت قصة مرحب مع حكاية بن عبد ود في الوصف (ضربة بالسيف، يعلق السيف بالدرع)، فكأن الرجلين واحد. لا وجود لبطل عظيم الشأن في حياة قريش اسمه عمرو بن عبد ود، وتتأكد تفاهة القصة حين يقال إنه خاض معركة بدر شابا، وفي الخندق كان قد بلغ الثمانين من العمر، رغم أن المعركتين تفصلهما ثلاثة أعوام! كذلك حين تقول القصة إنه طلب من علي أن يتنحى ويرسل أحدا من أعمامه ليبارزه، وأعمامه كلهم ماتوا قبل ذلك عدا العباس كان لا يزال في مكة "مع المشركين"، كأن بن عبد ود القادم من قريش لا يعرف ذلك!
على أن تلك القصة شهيرة لدى كتاب السير لا المحدثين، وللألباني تعليق ذكي حولها في الجزء الأول من سلسلة الأحاديث الضعيفة: لا أعرف لها طريقا مسندا صحيحا، وإنما هي من المراسيل والمعاضيل.
تأسست أسطورة الفارس الاستثنائي على قصتين مخترعتين، كلتيهما خرجتا من معركتين لم يدر فيهما قتال (خيبر، الخندق)، وبقي المحارب البطل غائبا عن كل الحروب الكبرى لمعارك دولته، يحمل سجل بطولة مخترع، يجلس في بيته ٢٥ عاما وسيفه في غمده ويحافظ، رغم ذلك، على شخصية الفارس المهاب!
غاب معه أبناؤه، فما من  ذكر لهما سوى في رواية بلا أسانيد  لابن خلدون، في العبر، عن اشتراك الحسن والحسين في فتح أفريقية سنة ٢٦ هجرية. كما حكاية يتيمة للطبري عن اشتراكهما في فتح طبرستان. وما يجعل الروايتين بلا قيمة هو أن الطبري لم يشر إلى حضورهما في أفريقيا، وابن خلدون لم يورد اشتراكهما في طبرستان. وهكذا تناقض الروايتان نفسيهما. سيحتفي علماء الشيعة بهذا التناقض كي لا تأتي القصة على أساسهم العقائدي: إن غياب علي وأبنائه عن الفتوحات كان موقفا احتجاجيا ودينيا كونها عملا عسكريا لا يقوده إمام معصوم!
 في نهج البلاغة، وهو كتاب ألفه (أو جمعه) الشريف الرضي مطلع القرن الخامس الهجري، نجد زهاء ٢٤١ خطبة لعلي، أشهرها الشقشقة، وفيها يحتج على أولئك الذين "أخروه عن مقامه". لقد حدثت تلك الفتوحات، إذن، خارج مقامه، ما جعله غير معني بها!
 الصمت المريب تجاه غياب علي وأبنائه عن حروب الخلافة الإسلامية يترك الأسئلة مفتوحة، ولكنه أيضا يسوق إجابات كثيرة حول ما الذي دفع علي فجأة إلى السفر إلى العراق وخوض ثلاثة حروب في عامين ضد خصوم مبجلين في الإسلام وهو الذي، طيلة ٢٥ عاما، لم تلفت معركة واحدة انتباهه، بما في ذلك كبريات المعارك: القادسية مع إمبراطورية فارس، واليرموك مع إمبراطورية روما.



قضايا وآراء
مأرب