الإثنين, 27 يونيو, 2022 11:04:47 صباحاً

ظهرت السلفية في الفهم في عصر النبي عليه الصلاة والسلام في إطار محدود على يد بعض الصحابة الكرام، كابن عمر في الفقه والحديث، (توفى الرسول وهو شاب في 23 من عمره) وابن عباس في التفسير والحديث أيضا، وهذا الأخير هو من صغار الصحابة، توفى النبي (عليه الصلاة والسلام) وعمره لا يتجاوز ثلاثة عشر عاما.
تم التقعيد للسلفية بإطار نظري واضح مع الإمام الشافعي (150 – 204هـ)، كما في كتاب الرسالة، لكنها – أي السلفية - تجسدت كرمزية مع الإمام أحمد بن حنبل (164-241هـ) رحمه الله، العالم الزاهد والعابد ومحبوب الجماهير، فقد تحولت في عهده إلى تيار شعبي واسع وخاصة بعد إنهاء محنة المأمون والمعتصم في قضية "خلق القرآن" بقرار سياسي في عهد الخليفة العباسي المتوكل وستتولى السلطة رعاية هذا التيار وستبوء مكانة عالية على حساب خفوت تيارات ومذاهب أخرى.

سيستمر الخفوت للسلفية شيء فشيء في التاريخ الإسلامي لأسباب كثيرة، وكادت تتلاشى لمرات، حتى جاء الإمام العظيم أحمد ابن تيمية (661 – 728هـ) منتصف القرن السابع ومطلع القرن الثامن، فأحياها من مرقدها وبث فيها روح ثورية عالية، وما كاد يستطيع أن يحي السلفية الحنبلية لولا التحامه بالجماهير من جديد ضد المغول وهجماتهم على الشام، في اللحظة التي صمت فيها أغلب علماء عصره، وهي المرة الأولى التي ستنتعش السلفية من جديد بعيدا عن دعم السلطة وبلاطها، فابن تيمية هنا: لم يكن عالما يعيش في برج عاجي كحال الحنابلة قبله وأغلب علماء المذاهب الأخرى بشكل عام، بل كان شخصا ملتحما بالناس قريبا منهم.

نقل ابن تيمية الفقه الإسلامي من التجريد إلى التجسيد، من المسائل النظرية إلى الواقع العملي، من الفقه المعزول في المحاريب وحلق العلم إلى الواقع المعاش في حياة الناس، وهو هنا، لم يواجه السلطات السياسية لوحدها ولا المغول الغزاة فقط، بل واجه قبل ذلك وبعده التيارات الاجتماعية والسياسية والفكرية فرادى ومجتمعين، كان يناور على أكثر من جبهة ولا يدخل معركة إلا وينتصر فيها بشكل حاسم، وقابل العنت والمشقة بقوة ورباطة جأش قل لها نظير.

كان فقيها مجددا تجاوز فقهاء عصره الجامدين العاشقين للمتون المفتونين بالأسلاف، وسجن لمرات بسبب فتاوى له، وأعاد بعضها إلى مكانها صحيح - بقيت لقرون - كفتوى الطلاق على عكس ما أفتى وقضى به عمر بن الخطاب، وكان أيضا فيلسوفا تغلب على فلاسفة عصره، بل هو الفيلسوف الأول في الإسلام الذي نقد فكر الفلاسفة منذ أرسطو وحتى عصره بمنهج الفلاسفة والمناطقة أنفسهم، وكان إلى جانب ذلك عابدا زاهدا أحبه الجماهير وعاش لهم حياته، ودافع عنهم وعن قضاياهم حتى موته مسموما في السجن بعمر 67 عاما، وذلك عندما عجز خصومه عن مواجهته والتأثير عليه وجها لوجه وحجة بحجة.



قضايا وآراء
مأرب