الخميس, 16 يونيو, 2022 12:03:49 صباحاً

بعد سقوط الخلافة العثمانية بعام واحد، صدر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبدالرازق (1888- 1966م)، الذي رفض فكرة الدولة في الإسلام وقال: إنها مدنية، وبشكل أعمق، أشار إلى أن النبي "رسول ومبلغ دعوة، وليس منشئ دولة. أحدث الكتاب زلزالا عنيفا ارتجت له مصر والعالم الإسلامي كله. وجزء من ذلك الزلزال أن الملك "فؤاد الأول" (1868 – 1936م) كان يطمح لحكم العالم الإسلامي كله، فجاء الكتاب مسددا له ضربة قاضية وكانت نتائج ذلك لصالح عبدالعزيز بن سعود (1976- 1953)، الذي كان حينها يواصل قضم الجزيرة العربية بالسيطرة على الطائف ثم مكة المكرمة بدعم بريطاني، وأخيرا فرض الحصار على جدة ثم المدينة النبوية، وضمها إلى مملكته عبر الإطاحة بالشريف حسين (1853 - 1931م).
تصدر الأزهر المعركة وخرج عشرات العلماء ضد عبدالرازق بهجوم كاسح، فسحبت منه العالمية، وكفر وقدمت عليه دعوات في المحاكم. يذكر الدكتور محمد عمارة (1931- 2020) في رده على الكتاب، جملة من الأقوال منها أن هذا الكتاب كان أقوى ضربة استهدفت الخلافة العثمانية الإسلامية وأن هذا العمل لا يقل عما فعله مصطفى أتاتورك بإلغاء الخلافة، كما أن عمارة يذهب في كتابه، إلى أن الكتاب هو في الأساس لطه حسين، رغم أن هذا الأخير سينشر كتابه "في الشعر الجاهلي" بعده بعام واحد 1926م، وسيكون أشبه بزلزال أخر ارتجت له مصر كلها، ولا يقل في تأثيره عن الإسلام وأصول الحكم.
ورغم أن عمر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" يقترب حاليا من 100 عام إلا أنه لم يستطع أحد تفنيد ما جاء فيه كما يقول الأستاذ جمال البنا (1920- 2013)، وكان من أقوى الردود إلى جانب رد الدكتور عمارة رد الطاهر بن عاشور (1879- 1973) المفسر العظيم صاحب التحرير والتنوير، وجميعها تقليدية.
وفي عام 1958م سيصدر كتاب "أضواء على السنة النبوية" للشيخ الأزهري والعلامة "محمود أبو رية (1889- 1970م)، الكتاب الذي اشتغل عليه لأكثر من 22 عاما، وسيناقش جزئية محورية مرتبطة بالإسناد في الحديث النبوي، وسيقدم له طه حسين بمقدمة شهيرة، وسيحدث الكتاب زلزالا عارما امتد للعالم الإسلامي كله، وسيعاني المؤلف من التكفير والتهديد وسحب العالمية، وسيصدر قرابة 100 كتاب ردود على كتابه أشهرها: " كتاب عبد الرحمن المعلمي اليماني "الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة"، وكتاب لـ محمّد عبد الرزاق حمزة "ظلمات أبي ريّة أمام أضواء السنّة المحمّديّة"، وكتاب لـ مصطفى السباعي "السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي"، وكتاب لـ محمّد أبو شبهة "دفاع عن السنّة" وكتاب لـ عبد الحليم محمود "السنّة في مكانتها وفي تاريخها"، وكل هذه الكتب وغيرها مجتمعة لم تستطيع تنفيد ما جاء به أبو رية رحمه الله، إذ لا يزال كتابه متفوقا محدثا أفكارا عن السنة لا تزال تحظى باهتمام الباحثين حتى اليوم.
وفي عام 2007، نشر الباحث عصام القيسي بحثه الشهير "حديث النبي من التاريخ لا من الدين" بحث مركز يناقش جزئية "الحجية في الحديث النبوي"، والذي سيصدر فيما بعد في كتاب مستقل، وهو في الحقيقة استدراك لعدد من الباحثين السابقين، ابتداء من الشيخ أبو رية في الكتاب المشار إليه سلفا، والشيخ جمال البنا في كتابه الأصلان العظيمان، ثم كتاب "نحو فقه جديد، وكتاب تبصير الأمة بحقيقة السنة لإسماعيل منصور،  وكتب "القرآن وكفى" لـ أحمد صبحي منصور، وكتاب "السنة النبوية والسنة الرسولية" لـ محمد شحرور، وجميعهم ناقشوا مباحث السند والمتن والحجية أيضا من زوايا مختلفة، والحقيقة أن "القيسي" استطاع أن يقدم دراسته معمقة في جزئية "الحجية" لم يسبقه إليه أحد، كما يستطع أحد حتى الآن هدم أصولها، مع الإشارة إلى مناظرة صحفية جرت بين المؤلف وبين الشيخ فضل مراد على صفحات الجمهورية الصادرة من مدينة تعز إلا أن الحوار لم يكتمل.
كما توارى الكثير من الدخول معه في نقاش حول بحثه منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم. وسيحصل الكتاب على اهتمام خارج اليمن بين الباحثين وخاصة في المغرب، والجزائر، والسودان، ومصر.
وفي عام 2010م سيصدر الكتاب الخامس للدكتور "جورج طرابيشي"، "من إسلام السنة إلى إسلام الحديث" ثم رحلة شاقة لـ نقد نقد العقل العربي على الدكتور الجابري، يقول المؤلف في أحد حواراته أنه احتاج في هذه الرحلة التي امتدت لربع قرن من الزمان، أن يقرأ 8 ألف كتاب كي يحاور الجابري في مشروعه، وهذا الكتاب سيعيد طرابيشي مراجعته لمدة ثلاث سنوات متواصلة كل طبعة أكبر من السابقة حيث سيتوقف عند قرابة 640 صفحة، وسيختم به مشروعه النقدي والذي كان يريد أن يواصل لولا أن الجابري رفض الدخول معه في سجال وحور فور صدور الكتاب.
ومن هنا فكتاب الجابري وطرابيشي هي أبحاث فلسفية شاملة، ستتناول مفهوم العقل العربي بشكل أوسع وأشمل، وهي ليس مقاربة على طريقة الكتب والمباحث السابقة التي ذكرتها هنا والتي اعتمدت المنهج المعياري التي تستهدف توضيح الصواب من الخطأ، بينهما في حق الجابري وطرابيشي فالمنهج هو الوصفي والتحليلي وهذا غير المنهج المعياري الذي
أخيرا، يأتي كتاب "ما ينطق عن الهوى" للأستاذ الخضر سالم بن حليس والدكتور كمال القطوي والدكتور عبدالوهاب السعيدي للرد على طرابيشي في كتابه المشار إليه، ضمن المنهج المعياري القائم على منهج الصواب من الخطأ، وليس منهج المفكران "الجابري وطرابيشي"، وهي مقاربة حسب 120 صفحة قرأتها حتى الآن لا زالت متواضعة ولم تدخل في صلب الفكرة، وبعد الانتهاء من الكتاب قد أعيد الكتابة.
والخلاصة: أن النقاشات الفكرية تضع الباحث والقارئ أمام وفرة من الآراء والأفكار، وتنضج الأفكار بشكل جيد وهي طريقة نافعة للخروج من دائرة التكفير واستباحة الخصوم إلى دائرة النقاش بالحجة والدليل والبرهان.
 
 
 



قضايا وآراء
مأرب