الثلاثاء, 14 يونيو, 2022 09:21:05 مساءً

لماذا لا يبدع شباب الحركات الدينية؟ لأن لديهم تصوراتهم الجاهزة عن الحياة، والإبداع نقيض كل ما هو جاهز. 
لديهم سردية وجودية توفر لهم إجابات مسبقة عن كل شيء، أو هكذا تزعم. هذا ما يجعلهم يعيشون خدرًا وجوديًا، ويتحركون داخل إطار محدد سلفًا. لغة فقيرة ورتيبة، عاجزة عن تفجير التصورات، فضلا عن إعادة تشكيلها.
 
عندما يشعرون بالقلق - بدلا من أن يجربوا كتابة الشعر، انتاج معانيهم الخاصة - يذهبون للاستغفار، تلك التمائم تعيد إليهم سكينتهم، إنها تمنحهم الأمان وتحرمهم من الابتكار.
 
التراث الديني لديه موقف سلبي من الإبداع، يقول عنه بدعة وبما يكبح أي محاولة للتجريب. يخاف رموز الحركات الدينية من دفع شبابهم نحو المغامرة، يخشون اهتزاز الثوابت الجاهزة، وبما يفقدهم السيطرة على نتائجها، يحمون أنفسهم بالانكفاء عليها بدلا من تعريضها للأسئلة واختبار ثباتها بإقلاقها، ومن ليس مستعدًا للمخاطرة، ليس جاهزا للربح. فيما الإبداع يقتضي أن تدعهم يواجهون المهاوي السحيقة للوجود دونما ضمانات مسبقة، دع الرياح والعواصف تلفحهم؛ كي يبتكرون خيامًا جديدة، تهب الوجود شحنة دافعة، وتضفي لمعانًا على التصورات الباهتة للحياة.
 
إنني أستعير نغمة نيتشه هنا، أحمل إكبارا من نوع خاص، لأولئك الفدائيين العظام، من يملكون الجسارة لإطلاق الصفارة الأولى، يحملون معاول لاختراق السماء وإعادة خلق العالم من جديد. لديهم ما يكفي من الأمان الداخلي والثبات النفسي للعيش في الصحراء وقد اقتلعوا الخيمة بكاملها، لا توحشهم الطرقات ولا يشعرون بالحاجة لملاجئ يلوذون بها من ضربات الريح وقصف الرعد وأصوات الوحوش في البراري. نفوسهم تتمتع بالقدرة على مؤانسة ذاتها، ولو انهار العالم كله لما تزعزع عالمهم الداخلي ولما احتاجوا لمؤنس في الطريق. 
 
يحتاج المبدع لقوة باطنية عالية، يقف أمام الوجود مجردًا من أي متراس جاهز، يقتحم الأخطار ويجرب قدرته على مواجهة الحياة عاريًا من أي رؤية جاهزة. لا يعني ذلك رفض كل رؤية بهدف الرفض السلبي فحسب، بل يمكنه اعتصارها كلها ورفضها أو التشكيك بكمالها التفسيري وإعادة تشكيل رؤيته وقد أذاب كل رؤى الوجود وبات قادرًا على ابتداع منظاره الخاص. 
 
يمكن أن يكون الأمان الوجودي الذي يوفره الدين حافزًا للإبداع؛ شريطة أن يملك المبدع المجرب وعيًا كليًا للحياة، ينظر بموجبه للدين كعنصر ضمن عناصر تفسيرية كثيرة يتوجب أن يحيط بها، لا أن يظل الدين منظاره الوحيد ويختنق به. 
 
ليس القلق الوجودي وحده ملهمًا وحافزا للإبداع، حتى الأمان الحي، الأمان النابه، يمكنه أن يكون دافعًا ابداعيًا لا يقل جدارة عن القلق المتحفز والجاهز للتجربة. في الدين حدس وتأملات رائعة، أفكار خامة وخلاقة، يمكن تنشيطها وتحويلها لمواد إبداعية متى وجد ذهن لماح قادر على استثمارها والتعامل معها كأي مورد ابداعي حر. 
 
أستفيد مما قاله النبي محمد (عليه الصلاة والسلام)؛ لكن كانط يلهمني بشكل أكبر، للنبي قداسته لدي، لكن ما قاله بشكل مبسط لا يرويني، على أن هذا لا يحمل أي نزعة تبخيسية لقيمة النبوة؛ لكني أتحدث من زاوية الحاجة الإبداعية، كل رؤية خلاقة تثريني، وتفتح لي منافذ واسعة، أكثر مما تفعله أي رؤية مغلقة ومكتملة.
 


قضايا وآراء
انتصار البيضاء