الثلاثاء, 14 يونيو, 2022 06:06:57 مساءً

نحن الذين لا نملك حظوة ولا سلطة ولا نفوذ، نعيش منذ الولادة حتى الممات من خير أكتافنا وعرق جبيننا ولا فخر، أقصى أمانينا أن نجد فرصة عمل جيدة ومصدر رزق أفضل، ليس لإننا دون المستوى أو أن طموحنا محدود، ولا نمتلك المؤهلات ولا الموهبة، أبدا، إنما لإننا بلا سند أو قبيلة.
 
أتذكر إلى قبل سنوات قريبة كان الواحد منا حين تسنح له الفرصة للذهاب إلى المدينة، كان هذا بمثابة عيد كبير عندنا، ليلة الذهاب لا ننام من شدة الفرح، وما إن تطأ أقدامنا المدينة حتى نشعر كما لو أننا غرباء مهاجرين أو نازحين أو ضيوفًا لا يرغب بتواجدنا أحد، نشعر كما لو أننا ندين بالفضل لأهل هذه المدينة لإنهم سمحوا لنا بالدخول والبقاء.
 
هذه الوحشة العجيبة، والغربة الصادمة، كانت أحد الأسباب التي جعلت الحصول على أبسط الحقوق أمرًا غاية في الصعوبة، بل إننا تنازلنا عن حقنا في التعليم والمنح والسفر والعيش وفق المتاح والبدائي، لصالح اليقين بصعوبة الحصول على ذلك، وهذا قدم خدمة جليلة للسلطات المتعاقبة، وأصبح التهميش سياسة متبعة، إلا عن المقربين ومن لهم نفوذ ومال وسلطة.
 
كان مجرد الوصول إلى المدينة خدمة تستحق الحمد والشكر، وكان كل شيء يقف هنا، كنا مغتربين ونخضع قسريا بكل القوانين التي تخص المغترب والمهاجر، صحيح أن هذا هو شعور بالنقص تقريبًا، لكن له دوافع كثيرة، فمن عاش مثلا في الريف هو خارج كل المميزات والقرارات التي يمكن أن يحصل عليها غيره.
الريف منسي وخارج الجغرافيا السياسية والاقتصادية، معزول تماما عن المحيط المتمدن، حياته ومعيشته وأكله وشربه من خير الأرض، ولهذا نشأ بداخل الريفي وحشة من الحضر، ونكوص عن المدينة.
 
في أفضل الحالات يمكن أن يحصل ابن الريف على جواز سفر ينفيه خارج البلاد، يذهب به إلى بلد الاغتراب، هذه الإيجابية الوحيدة التي إلى اليوم تجد أبناء القرى يشكرون بشكل صريح علي صالح ونظامه بالنص: "لولاه ما احنا مغتربين"، يقولها مادحا شاكرا عابدا دون أن ترف له جفن، يعرف أنه لو بقيَ في القرية لمات كما يموت البعير، لهذا هو يشكر من قدم له هذا المتنفس، ويعتقد جازمًا أن هذه من أهم الخدمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الجليلة التي أنعمت به عليه السلطات الحاكمة.



قضايا وآراء
انتصار البيضاء