الثلاثاء, 07 يونيو, 2022 05:41:37 مساءً

كنت قد كتبت مقالا في صحيفة الجمهورية بتاريخ ٦ أبريل ٢٠١٣، بعنوان: هل هناك قوميون في اليمن؟ دفعني إلى كتابة هذا المقال في ذلك الوقت سلوك هؤلاء القوميين الذين انتظموا في ثورة ضد ثورة ٢٦ سبتمبر التي كان توجهها قومي وصنعها ثوار قوميون، فجاء هذا الجيل من القرويين وتحت لافتة القومية العربية يقتاتون من موائد الإمبريالية في السعودية والإمارات ويمارسون الصمت على المشاريع القروية في مواجهة الوحدة اليمنية التي تعد واحدة من المكاسب القومية التي عمل لأجلها القوميون في الماضي.
 
ما دفعني إلى الكتابة مجددا عن هؤلاء القوميين القرويين، هو ما يقومون به هذه الأيام من تسابق على دم الشعب اليمني وتوزيع أنفسهم في السلطة في بلد أصبح في مرحلة ما قبل الدولة مستفيدين من تهييج الصراع الطائفي والانقسام المناطقية، فمثلما سوقوا لأنفسهم بالأمس بأنهم يقودون ثورة تغيير وأنهم ينشدون ربيعا، ها هم اليوم يقنعون أنفسهم بأنهم يصنعون تغييرا، حتى لو كان مقترنا بالاحتلال أو بتدمير النسيج الاجتماعي.
 
لست بحاجة للقول بأن هذا الحزب نشأ قرويا في الأصل، حتى لو وجد بعض الأفراد من هنا وهناك، لكنه في الأصل ظل قرويا يدور في محيط قرية من قرى تعز، وهاهم اليوم يتحركون في محيط هذه القرية باحثين عن نصيب لهم في كعكعة السلطة ينفخون في عروق معين عبد الملك الناصرية ويبحثون عن وزير دفاع من الضالع كي يكتبون في سردياتهم للأجيال القادمة أن رئيس الحكومة كان ناصريا ووزير الدفاع كان ناصريا وربما سيكتبون بأن الرئيس رشاد العليمي كان ناصريا أيضا كما كتبوا بأن الحمدي كان ناصريا، ولا يهمهم فساد الحكومة ولا مستنقع النجاسة الذي وصلت إليه البلاد.
 
دائما ما يبحثون عن شخص يحاولون الاتكاء عليه في تلميع أنفسهم، فعلوا ذلك مع إبراهيم الحمدي الذي زعموا أنه تم استقطابه إلى الناصرية وكما فعلوا في تضخيم عبدالله عبد العالم الله يرحمه، فالرجل كان قرويا حينما غلب على أمره عاد ليتحصن بقريته وعاش فترة نفيه لم يكتب حرفا واحدا ولم يشارك في ندوة أو مؤتمرا علميا وكما فعلوا مؤخرا مع عدنان الحمادي رحمة الله تغشاه، فهم دوما يتسلقون على ظهور الآخرين ويستمرون في الحياة بسمعة الآخرين حتى لو كانت هذه السمعة من وحي الروايات أو الخيال.
 
نحن أمام ظاهرة لم تخطر على ذهن عبد الناصر ولا على ذهن عصمت سيف الدولة، ألا وهي ظاهرة تحول القوميين في اليمن إلى قرويين وأنهم سيهزمون الوحدة بالبحث عن السلطة ، وإلا ما الذي يجعل عبد الملك المخلافي بتاريخه النظري أن يقبل بمنصب تحت إدارة انفصالي أو البحث عن وزير دفاع من الضالع كي يكون مقبولا من قبل الانفصاليين بدلا من البحث عن إعادة بناء مؤسسة عسكرية لليمن كلها ولماذا يحشدون الدعم لرئيس وزراء فضائح فساده فاقت كل فساد ، كل ذلك لأنهم يبحثون عن السلطة وليس عن الدولة ، حتى لو استدعى ذلك إيقاظ الهويات المناطقية .
 
عقدة السلطة أفقدتهم الحس التاريخي وأفقدتهم منطق الحياة، فكل همهم الوصول إلى السلطة وهذا حق مشروع حينما لا يكون على حساب المبادئ التي انطلقت منها الناصرية وهي، مواجهة الإقطاع والاستعمار وسيطرة رأس المال على الحكم وبناء جيش وطني قوي وعدالة اجتماعية وحياة ديمقراطية سليمة.
 
لقد خلعوا عن وجوههم كل قناع وأظهروا الهوية القروية على حساب الهوية الوحدوية ورموا بالعدالة الاجتماعية خلف ظهورهم بحثا عن مصالحهم الخاصة، وأمام هذه المصالح الخاصة لا يهمهم أن يعملوا مع الانفصاليين طالما ذلك سيحقق مصالحهم ولا يهمهم فساد الحكومة وضعفها طالما رئيس الحكومة من أبوين ناصريين ولا يهمهم الاصطفاف مع الرجعية السعودية الإماراتية ولا ما ترتب عنها من اقتطاع لأجزاء من اليمن وإعادة تركيب الديمغرافية طالما ذلك سيحقق لهم زيادة في أرصدتهم البنكية.
 
خلاصة القول إن الناصريين في اليمن دخلوا في مرحلة الموت الدماغي، كونهم لم يعودوا يفرقوا بين المبادئ الستة التي أعلن عنها جمال عبد الناصر الذي أنحاز فيها للفقراء والكادحين والمهمشين وانحاز فيها لتمكين المواطن من مباشرة حقوقه الدستورية والعيش بكرامة في وطنه وبين انحيازهم لمصالحهم في هامش السلطة حتى لوكان ذلك على حساب الوحدة التي تعد رافعة للقومية العربية، وقبل أن يشحذ أي قروي قلمه لتسفيه ما ورد هنا، عليه أن يعود إلى قراءة الفكر الناصري ومقارنته بسلوك الناصريين، ثم بعد ذلك يكتب ما يشاء.
 


قضايا وآراء
مأرب