الثلاثاء, 31 مايو, 2022 08:22:08 مساءً

معظم اقتصاد حرب بوتين آتٍ من بيع بتروله أساسًا، ومن بيع الغاز بعد ذلك.
ومن يعيش على بيع مواد أولية (اقتصاد الريع)،
في عالم اقتصاد اليوم (المبني على الصناعة والتكنولوجيا والمعارف)، وضعهُ يستحق الرثاء فعلا.
 
فلو كان عند بوتين عائد اقتصاد مهم آخر، غير ايرادات مواد أولية، لبادر، هو نفسه، وقطع البترول والغاز على الأوروبيين، من باب حفظ ماء الوجه، وهو يسمع تهديدات عقوباتهم المتوالية بالقطع. لكنهم هم وحدهم من يموسق ويقرر: سيقطعون شراء كل بتروله وغازه، بدون استثناء، من الآن وحتى فترة قادمة مبرمجة، وذلك بالإيقاع الذي يختارونه هم أنفسهم! القرار الأوربي أمس (بإجماع ال ٢٧ دولة معا)،
بوقف استيراد ٩٠٪؜ من بترول روسيا قبل نهاية هذا العام، وأكثر من ثلثي بترولها إبتداءً من اليوم
(أي وقف شراء كل ما يأتي عبر سفن البترول الروسية، التي بدأت اليوم تعطِّف، وتعود حزينة إلى ديارها) وذلك بهدف وقف غزو بوتين لأوكرانيا، وعودة جيشه من حيث جاء. يعتبر (هذا القرار) ضربة اقتصادية قوية جامدة لبوتين.
 
مؤسف جدا الوصول إلى هذا الوضع: ارتباط الطاقة بين روسيا وأروبا كان مهما وضروريا للسلام. عمره ٦ عقود، بدأ في عز الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفيتي، وكان اسمه "رابط الصداقة".
 
قاد الغزو الكارثي لبوتين لأوكرانيا، اليوم، إلى فك هذا الارتباط، وإلغاء كل الاتفاقات السلمية السابقة…
لن يكون ذلك حال الصين إذا قررتْ يوما ما خوض الحرب: ستكسبها حال اتخاذ القرار، دون رصاصة ولا قطرة دم؛ لأنها ستكون مسيطرةً على كل الاقتصاد العالمي، ولا يمكن التنفس حينذاك لحظةً بدونها.
 
فلسفة الصين: الحرب الإلهية. الحرب التي تكسبها لحظةَ إعلانها، تلك التي تنزل على العدو كصاعقة، بدون سلاح. بالذكاء المطلَق الخالص فقط. أما الحرب البوتينية، كما يرى الخبراء، فهي عكس ذلك تماما: حرب الغباء الخالص: الحرب التي عندما تقرر خوضها، تكون قد خسرتَ كلية اقتصاديا وبشريا و… وتكون قد فشلتَ في تحقيق كل أهدافك العسكرية، ونجحتَ فقط في تحقيق أحلام أعدائك (التي كانت تبدو، قبل خوض حربك، مستحيلة التحقيق).
 
هذا ما فعله "أبو علي" فعلا…المضحك والمبكي معا: بعد حوالي ١٠٠ يوم من الحرب الهمجية والتدمير والأراضي المحروقة والتعثر والفشل والخسائر الهائلة، وجرائم الحرب التي ستلاحق ملفاتُها بوتين، صار البعض يتمنى أن يكسب هذا الديكتاتور سريعا منطقة الدونباس (مساحة صغيرة في شرق اوكرانيا، متاخمة لروسيا، يريدها بأي ثمن، على طريقة الحروب الاستعمارية القديمة التي لا يعترف بشرعيتها أحد)! يتمنون أن يكسبها بسرعة، خاصة أن سلاحه أعتى وجيشه أكبر بكثير، ليكسب شيئا ما ويوقف حربه (حتى لا يكون فشلُه التاريخي الحالي مثار عار وسخرية دائمة، قد يقودانه ربما إلى مزيد من الانتقام والجنون). لا يتمنون ذلك بنيّةِ التفريط بالدونباس: ستعود يوما بالطبع، مع جزيرة القرم، لأوكرانيا الموحدة (كما توحدت المانيا الشرقية والغربية، بعد حوالي ٥٠ سنة من الانفصال)، لأن الديمقراطيات تنتصر، في نهاية المطاف، دوما على الديكتاتوريات… ولكن يتمنونه لوقف الخراب والدمار والحرب، ولإنقاذ الشعبين الروسي والاوكراني الرائعين من هذا التدمير الذاتي التراجيدي. 
 
وعلى ذكر المانيا الشرقية، استحضرُ أحد أعز اصدقائي الذي كان يحضّر الدكتوراه فيها. اتصلتُ به هاتفيا (أيام البطاقات الهاتفية)، قبل سقوط جدار برلين بأيام، لأقول له: "سمعنا أن الجدار اقتربت نهايته، بعد الحراك الشعبي الذي بدأ عقب زيارة جورباتشوف لبرلين الشرقية". ضحك صديقي الغالي، وسخر مني، قائلا: لن يسقط حتى بعد قرن! هذه دعايات امبريالية…".
 
مثلي، كان صديقي ممن سمع يوميا في الطفولة أن "سمة العصر: انتصار الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفيتي، وانهيار الرأسمالية"). سقط الجدار بعد أسبوعين من مكالمتنا فقط! أظن بجد (وأخشى بقوة) أن صديقي ما زال حتى اليوم يعتبر أن الجدار لم يسقط، وأنها دعاية امبريالية… ظللتُ طويلًا أظن أن صديقي العزيز جدا حالة بشرية خاصة، لا تتكرر. لكني فوجئت اليوم، بعد غزو اوكرانيا، وأنا ألاحظ أن عددا كبيرا من الأصدقاء الأعزاء يفكرون مثله، ويعيشون إلى الآن، في فقاعات تفصلهم عن العالم! يعيشون أوهامهم كحقائق؟ يكذبون على أنفسهم؟ يصدقون أكذوباتهم لوحدهم؟… لا أعرف، بأمانة، ما يحدث في أدمغتهم بالضبط)…
 
كل ما ألاحظه:
١) عشقهم لا علاج له لأي ديكتاتور (أبو جزمة كبيرة)، يحكم لوحده مدى الحياة.
٢) لا يفهمون إطلاقًا من يتجرأ على اختيار طريق الحرية والمقاومة والديمقراطية، ومن لا يرغب إلا بالحياة بدون ديكتاتور (أبو جزمة كبيرة).
* صفحة الكاتب على فيسبوك 


قضايا وآراء
انتصار البيضاء