الإثنين, 16 مايو, 2022 11:59:44 مساءً

 
سامي نعمان الأثوري
 
لا يمكن أن نفهم أي نصوص قديمة فهما دقيقا، وعلى النحو الذي أراده منشؤو تلك النصوص بمعزل عن مقاصدها وبمعزل عن سياقاتها التي نشأت فيها وظروفها التي أنتجتها، بما في ذلك النصوص الدينية. حتى إنه ليمكن القول إن أغلب أخطاء بعض من يتعامل مع النصوص الدينية يقف وراءها ذلك الإهمال المتعمد للسياق بنوعيه، اللغوي وغير اللغوي أو الاجتماعي. 
 
وليس بدعا القول ولا غريبا إن تلك النصوص الدينية لم تنشأ في فراغ، وإنما ضمن ظروف معينة ووقائع وأحداث احتاجت إلى إجابات أو معالجات لمشكلات ذلك المجتمع الذي كان يعيش في تلك البقعة الصحراوية من هذا العالم. أي إن تلك النصوص كانت لها غاية تسعى لتحقيقها هي رعاية مصالح ذلك الإنسان المسلم في ذلك الزمن وفي تلك البيئة وتنظيم حياته وعلاقته بربه وبغيره من إخوانه المسلمين وبالآخرين ممن كانوا يشاركونه في تلك البيئة وفي ذلك الجوار.
 
وذلك يعني أن الوقوف عند الدلالات الحرفية للغالبية العظمى من النصوص والقراءات الخطية والمجتزأة لها من دون أي عملية تأويل ولا نظر في السياقات والظروف والغايات العامة للدين لا تساعد على الفهم الدقيق لمقاصده، وقد تكون سبيلا للإساءة إلى الإسلام وروحه، وتعطيلا لمصالح الناس، وتدميرا لنفسياتهم.  
 
وقد لا يبدو غريبا القول أيضا إن النصوص لا تنسخ بعضها لأن الكثير منها، في الأقل، عالجت وقائع مختلفة في الزمان والمكان وفي الظروف كذلك. ومن ثم، تعاملت تلك النصوص مع كل واقعة وفقا لظروفها المواتية وسياقها الخاص. يؤيد هذه الفرضية أن الشريعة كلها جاءت لرعاية مصلحة الإنسان. وحقا، لكل إنسان مصالحه الخاصة وظروفه التي قد لا تتشابه مع ظروف إنسان آخر، والقول بالنسخ يخالف هذه القاعدة الكبيرة من قواعد التشريع، أو يخالف هذه الحكمة.
 
ويعرف المتخصصون النابهون أن دلالة النص منفردا قد لا تدل على أن تلك الدلالة المستنبطة  منه أو ذلك المفهوم الذي يدل عليه هو رأي الإسلام بالضرورة، فقد يفتي الفقيه النابه فتوى تخالف نصوصا معينة لا يجهلها ولا يجهل دلالاتها، ولكنه ينظر إلى نصوص أخرى قد تكون أعم أو ألصق بحياة الناس ومصالحهم، وتلك هي غاية الإسلام، وذلك هو هدف التشريع. أزيد من ذلك، قد يخالف الفقيه نصوصا واضحة في تلك الواقعة أو ذلك الحدث، وكم خالف بعض الفقهاء نصوصا بتأويلات مختلفة مدارها أن النص قد لا يحقق مصلحة الإنسان وفق بعض الظروف الناشئة! وثمة عبارة تتكرر على ألسنة بعض الفقهاء هي أن الحديث الفلاني ليس عليه العمل. وحقا، ثمة أحاديث كثيرة صحيحة ليس عليها العمل. 
 
ومن غيرما شطط في القول أو إساءة في التعبير، لو أننا نظرنا لتلك النصوص ضمن هذا الإطار، وضمن تلك الظروف والسياقات لخفت حدة الكثير من الآراء المتطرفة وتغيرت الكثير من القناعات الراسخة لدى البعض حول الكثير من المفاهيم والتصورات الإسلامية، ولتغيرت النفسيات وطريقة النظر إلى بعضنا وإلى الآخرين ممن يشاركوننا الحياة في هذا العالم الذي غدا قرية أو منزلا واحدا.
 
ومما يؤسف له حقا، أن يأتي البعض إلى حكم فقهي فيه خلاف وتناطحت وتتناطح في سبيله الكثير من الآراء في القديم والحديث، ثم يختار رأيا هو أدنى له نظرا لمحدودية قراءته واطلاعه مثلا أو لفقره المعرفي بما قيل حول ذلك الحكم، وأنه مثار نزاع، ثم يسوق رأيه للناس على أنه الإسلام كله، الإسلام الذي يجب أن يتبع، والقول الذي لا تجوز مخالفته. 
 
على أن بعض هذه المفاهيم وبعض تلك الأحكام تحتاج إلى فقهاء راسخين ومجتهدين معتبرين، وقد تحتاج إلى علماء متخصصين في المجالات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية بحسب طبيعة المسألة أو القضية، ثم تتلاقح تلك الآراء وتعرض على الفقهاء المجتهدين ليقولوا كلمتهم بناء على تلك التوصيات والآراء. والمؤسف أيضا أن كثيرا من المسائل المستجدة أو المتكررة يتحدث فيها من ليس بفقيه ولا يعرف أصول الإسلام وفلسفة التشريع وحكمته فيسيء إلى الإسلام من حيث يريد الإحسان. 
 
ثمة خلط كبير وواضح لدى البعض بين الإسلام المتفق عليه، وبين فهومنا لبعض أحكامه وقضاياه التي هي مثار خلاف أو نزاع فقهي مثلا؛ فاختيار البعض لرأي واقتناعه به لا يمنحه حق مصادرة بقية الفهوم أو نزع صفة الالتزام الديني أو الطهارة الدينية عن الآخرين. ومن المهم في هذا الإطار الإشارة إلى أن القضايا الخلافية في الشريعة الإسلامية دليل خصوبة ومرونة هذه الشريعة التي أرادها الله أن تستوعب الزمان والمكان، والتي يبغي البعض تضييقها وحصرها بفهم معين وحيد، وأنه ليس لأحد أن يفتي ويلزم الناس برأي ثمة من يقول خلافه، وقد قرر الفقهاء قديما أن المحتسب لا يجوز له أن يحتسب في مسألة وقع فيها خلاف، وأجاز بعضهم ذلك مشترطين أن يكون المحتسب ممن بلغ رتبة الاجتهاد. وأين من بلغ رتبة الاجتهاد من هؤلاء الذين أقعدوا الدنيا ودوخوا بالناس في حديثهم عن الحلال والحرام في أمور خلافية؟!
 
إن قولا على الله ليس كأي قول، ومن ثم التقول عليه بدون علم ولا إدراك كامل لهذه الشريعة وفلسفتها، ولا للظروف والوقائع التي تتنزل فيها النصوص، ولا للغة وأدوات النظر يعد مسلكا من مسالك الغواية، وافتراء على الله وعلى دينه.
 


قضايا وآراء
انتصار البيضاء