الجمعة, 29 أبريل, 2022 05:34:39 مساءً

زيارة الرئيس التركي "طيب رجب أردغان" إلى السعودية بعد سنوات من التوتر هي منعطف دبلوماسي واستراتيجي هام. السعودية دولة ذات تأثير ووزن دوليين، ولا معنى للتذكير بهذا الأمر، لكنها في مرحلة لا تتيح لها استخدام كامل هذا الثقل؛ لأنها لم تحز بعد على كامل عوامل القوة استراتيجياً.
لم تتخط بعد سقف التريليون دولار في ناتجها وتعتمد كثيرا على غيرها في حماية نفسها وتأمين احتياجها من السلاح فضلا عن وضعها السكاني.
وليس في الحديث هنا قدح بقدر ما هو تشخيص، فالانتقال إلى ما وراء حاجز التريليون يتطلب بيئة مختلفة؛ اقتصاد انتاجي متنوع، مجتمع منتج محلي وأجنبي بظروف أفضل، اقتصاد حديث وقطاع خاص ابتكاري.
 ربما تكون السعودية في الطريق الصحيح لتحقيق هذه المتطلبات، إلا أنها تقع في منطقة محاطة بالتوترات، وهذا يجعل فاتورة الأمن باهظة جداً وكثيرة الاعتماد الخارجي. يمكن تخفيف هذه الفاتورة بمنطق عمل متعدد الأطراف، وبالتالي: بناء الثقة في هذا المنطق يتطلب توافقا يتجاوز المصالح واحتواء التهديدات، فلا بد من لغة مشتركة على مستوى القاعدة والرأس. هذه اللغة ينبغي أن تقوم على قيم وليس على عواطف أو عواطف فقط، وتتجسد القيم في الحوكمة إذا رغبنا في التهرب من الديمقراطية.
سقوط عواصم مؤثرة دبلوماسياً في العالم العربي ولّد فراغاً كبيراً ولم يعد من الممكن ملئه بروح عربية إنما بروح دينية مذهبية. ولأن المنطقة منقسمة بسبب إيران إلى معسكرين مذهبيين، لا تستطيع السعودية وحدها ملء الفراغ على أساس مذهبي سيما ولديها رغبة جامحة في التحول الاقتصادي.  ثم إنه لم تعد حولها من عواصم مستقرة قريبة غير أبو ظبي، وهذه أقل مكانة ووزناً من السعودية وإن كانت أكثر ديناميكية وتقلّب ومثلها منافستها الدوحة.
تفرض اللحظة تحديات على المنطقة؛ الملف النووي وتصلب إيران، تسرّع أمريكا في إغلاق ملفات توترات المنطقة كيفما اتفق، المكانة المتعاظمة لإسرائيل في المنطقة بحيث أصبح تجاهلها غير يسير، انقسام حاد في المجتمع الدولي بسبب الحرب في أوكرانيا وما خلفته من ضغوطات غربية على دول العالم لتشكيل معسكر واحد في وجه روسيا، عودة النفط والغاز الخليجي إلى قلب الاهتمام العالمي، غموض المسار الصيني وعجزه عن تكوين بديل كوني للغرب، طراوة التجارب والخيارات السياسية لما بعد الربيع العربي بما في ذلك التجربة السعودية.
ومع هذه العناصر، تحول دول بكاملها إلى عبء استراتيجي وأمني كالعراق، وسوريا، واليمن، ولبنان. إذا كانت السعودية تملك هامش مناورة في السياسية الخارجية أكبر لغياب متناقضات داخلية كحال تركيا إلا أن السعودية في عين الاستهداف منذ عشرين سنة على الأقل وهي أكثر عرضة لتقلبات وعواصف السياسة الخارجية الأمريكية.
ثمة محاور تتشكل في المنطقة؛ مصر -الأردن -العراق؛ وقد يتشكل محور جديد هو السعودية -تركيا، إلا أن افتراق المحاور قد ينعكس سلبا لأنه يقوم على التنافس لا على التعاون، وستغيب عنهما قطر والإمارات إذا لم تجدا نفسيهما فيهما وسيكونان انتاجا عكسيا.
ثم إنه هناك تحد آخر، هو أن إسرائيل لن تقبل محاور جديدة هي ليست فيها، إلى ذلك ثم تحد وهو أن إيقاع التفاعل الإقليمي مع الأحداث والتقارب أبطأ بكثير من الأحداث والتحديات، فكم من الوقت فقدتا السعودية وتركيا لتصلا إلى هذه اللحظة؟!

* صفحة الكاتب على فيسبوك 



قضايا وآراء
مأرب