الجمعة, 01 أبريل, 2022 09:33:47 مساءً

حتى لو يكن هناك شيء اسمه الله، ولو لم تتنزل الكتب ولا وُجد الأنبياء، لا الشرائع والفروض، حتى دون رمضان، كنت بحاجة بين الفترة والأخرى، للامتناع عن كل شيء، أحتاج لتنشيط فكرة الرفض بداخلي، التخلي، التنازل عن أي احتياج لما هو خارج عني، أحتاج الصيام، كما أحتاج الحرية، أقدس فكرة في الوجود، شيء ما داخلي يهفو لهذا التمرين الروحي البديع. رمضان الرغبة قيد، حجاب، الرغبة نقص.. كلما كنت لاهثًا لشيء خارجك، كانت روحك أقل حرية، أقل شفافية، تتكاثف العوازل في داخلك، تتحكم بك قيود الرغبة وتغدو أقل اكتمالًا.
 
رمضان يحررك من كل هذا، يمنحك شجاعة التخلي، حتى عن الطعام، تنتصر على الملذات.. تقول لنفسك: لقد شربت مرات كثيرة، وكنت أتناول ما أرغب وقتما أريد، دعني هذه المرة، أجرب شعور التخلي حتى عن هذه اللذة المباحة. 
 
وتلك دفقة حرية، تصير معها أقرب للإنسان الكامل. حر من كل شيء، باستثناء رغبتك بالصعود، أعلى وأعلى، وتوقك نحو البعيد.. تعيد تأسيس علاقتك بالوجود كما تقرر إرادتك الحرة، دونما خضوع لما تهتف به الأشياء في الخارج. وذلك هو الله في كل الفلسفات والأديان، هذا هو ما توصي به كل تأملات البشر على مر الأزمان. كلما كنت أقل تطلبًا، تغدو أكثر حرية وقوة. 
 
تستعبدك الحياة طوال العام، تُغرقك بشتى الرغبات، وتخلق داخلك باستمرار احتياجات دائمة، تشحنك بكل ما تحتاجه وما لا تحتاجه، وتجعلك أسير لكل ما خلقته بنفسك. الحياة بهذه الصيغة ذليلة، ما تنثره حولك ليس تعبير عن كرم، بل حيلة لا فسادك، هي لا تسهم في اثراءك، بل تُفقرك، فكرة الاستهلاك، لا تساعدك في توسيع دائرة حريتك، بل تضاعف قيودك، تُضعف قواك الداخلية وتحيلك لعبد عاجز عن الحياة دونما ممتلكات حولك تدعِّم وجودك. ثم يأتي رمضان، هذه الفكرة العالية، الصوم، هذا المقترح الذكي، يأتي هذا الطقس الحر، قوة باطنية تحررك من قيود العيش وذل الحاجة، وبقدر رغبتك بالحرية، يكون قوة ارتباطك بهذا الطقس واحتفاءك به. 
 
إذا كان هيراقليطس قد شعر بالحاجة للصوم قبل 2500 سنة، فلاسفة وحكماء كثر، من لاو تسو في أقصى شرق الكوكب، خلف سور الصين العظيم وصولا لجزيرة العرب، حيث شعر النبي محمد هو الأخر وقد كان مجرد من كل شيء، بلا أرصدة ولا تجارة ولا عقارات، يعيش متوسد الحصير وملتحفًا سعف النخيل شعر بضرورة الصيام، أظنه شعر بذلك حتى من قبل أن يأتيه جبريل ويعزز لديه الفكرة، وتغدو فرضًا تباركه السماء.
كل هؤلاء وغيرهم آلاف البشر مذ بدأت الحياة على سطح الكوكب، فكيف بإنسان اليوم...؟ هذا المخلوق الاستهلاكي بشراهة، إنسان هزيل  الروح، غارق في حياة لاهثة بكل ما هو عابر وبكل اللذائذ المؤقتة، أليس أكثر احتياجًا لتمرد يعيد إليه قوته الباطنية المسلوبة. ألسنا أكثر حاجة للصوم من كل الأمم التي سبقتنا...؟ 
 
الحياة الحديثة مليئة بالعلل، إلا أن أكثر عللها فداحة هو هذا العطش الدائم للتملك، الجوع المتواصل للأشياء، وإذا ما كان الإنسان منذ القدم يحتاج لطقس الصوم، فترياق الحياة الحديثة الأول، يكمن هنا، الصوم. 
 
نحتاج لثورة مشابهة للصيام، ترافق حياتنا المختلة ونفوسنا المنهوبة. إنها حركة احتجاجية للحفاظ على كينونتنا المتخلخلة، دفاع عن ذواتنا المستباحة، استعادة حقنا في العيش بهدوء وبأقل قدر ممكن من اللهاث المدمر.
 


قضايا وآراء
مأرب