الجمعة, 18 مارس, 2022 02:09:53 مساءً

    كان القول بوجود ولد للإمام العسكري، قولاً سرياً باطنياً، قال به بعض أصحاب الإمام العسكري، بعد وفاته. ولم يكن الأمر واضحاً وبديهيا، أو مجمَعاً عليه بين الشيعة في ذلك الوقت، حيث كان جوٌ من الحيرة والغموض يلف مسألة الخلف، ويعصف بالشيعة بشدة. وقد كتب عدد من العلماء المعاصرين لتلك الفترة كتباً تناقش موضوع الحيرة وسبل الخروج منها، منهم الشيخ علي بن بابويه الصدوق، الذي ألَّف كتاباً أسماه: (الإمامة والتبصرة من الحيرة).
   وقد امتدت تلك الحيرة الى منتصف القرن الرابع الهجري، حيث أشار الشيخ محمد بن علي الصدوق، في مقدمة كتابه: (إكمال الدين وإتمام النعمة) الى حالة الحيرة تلك، التي عصفت بالشيعة وقال:" وجدت أكثر المختلفين إليّ من الشيعة قد حيّرتهم الغيبة، ودخلت عليهم في أمر القائم الشبهة" " وقد كلمني رجل بمدينة السلام (بغداد) فقال لي: إن الغيبة قد طالت، والحيرة قد اشتدت، وقد رجع كثير عن القول بالإمامة لطول الأمد".  وذكر الكليني والنعماني والصدوق مجموعة كبيرة من الروايات التي تؤكد وقوع الحيرة بعد غيبة صاحب الأمر، واختلاف الشيعة، وتشتتهم في ذلك العصر، واتهام بعضهم بعضا بالكذب والكفر، والتفل في وجوههم ، ولعنهم، وانكفاء الشيعة كما تُكفأ السفينة في أمواج البحر، وتكسرهم كتكسر الزجاج أو الفخار.
   وقال محمد بن أبي زينب النعماني، يصف حالة الحيرة التي عمّت الشيعة في ذلك الوقت:" إن الجمهور منهم يقول في الخلف: أين هو؟ وأنى يكون هذا؟ والى متى يغيب؟ وكم يعيش هذا، وله الآن نيّف وثمانون سنة؟ فمنهم من يذهب الى أنه ميت، ومنهم من ينكر ولادته ويجحد وجوده بواحدة، ويستهزئ بالمصدق به، ومنهم من يستبعد المدة ويستطيل الأمد". ويقول النعماني:" أي حيرة أعظم من هذه التي أخرجت من هذا الأمر الخلق العظيم والجمّ الغفير؟ ولم يبق ممن كان فيه إلا النزر اليسير، وذلك لشك الناس". 
   وهذا مما يدل على أن قضية وجود ابن للإمام العسكري لم تكن قضية مجمعاً عليها بين صفوف الشيعة الامامية في ذلك العصر، أو ان الشيعة الذين احتملوا وجوده بدوء يتخلون عن إيمانهم هذا، بعد مضي سبعين عاماً على وفاة العسكري، وان دعاوى الإجماع والتواتر والاستفاضة التي يدعيها البعض على أحاديث وجود وولادة ومهدوية الإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) لم يكن لها رصيد من الواقع في ذلك الزمان.
   ومن هنا لا بد أن نضع علامة استفهام على دعاوى الإجماع والتواتر المتأخرة، والمناقضة تماماً لحقائق التاريخ، خاصة وأن دعوى الإجماع والتواتر، لا تمنع من المراجعة والنقد والتمحيص. بالإضافة الى أن الإجماع لا يشكل لدى الشيعة الامامية الإثني عشرية حجة بديلة عن الأدلة العلمية... وحسبما يقول علماء الأصول: فإن الإجماع يمكن أن يؤخذ به، في غياب الدليل الشرعي، فإذا علمنا استناد دعوى معينة على أدلة نقلية أو عقلية، فعلينا مراجعة تلك الأدلة، وعدم التشبث بالإجماع. ومن المعروف أن دعوى ولادة الإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) تأتي بأدلة عقلية ونقلية وتاريخية، فلا بد إذاً من مراجعتها والتحقق منها بأنفسنا، وعدم الانسياق وراء المتكلمين الامامية، أو النفر الذين ادعوا وجود ولد للإمام العسكري في السر، وعدم التسليم بدعاواهم وفرضياتهم واجتهاداتهم.
المصادر
   - الصدوق: إكمال الدين، ص 2 و 16
   - الكليني، الكافي، ج1 ص 366، 338، 340، والنعماني، الغيبة، ص 89، 206، 208، والصدوق، عيون أخبار الرضا، ص 168 ، وإكمال الدين، ص 408
   - النعماني، الغيبة، ص 113، و 186



قضايا وآراء
مأرب