الإثنين, 17 يناير, 2022 08:15:38 صباحاً

هناك من يدافع عن الكتابة، لكنه يمارس نوعًا من الوقاحة المعرفية ضد الناس وضد الكتابة.. لا أدري كيف يجرؤ المثقف أن يحدد للناس كيف يجب أن يكتبوا، هذا نوع من ممارسة وصاية تفتقد للخجل.. هل هناك تعريف حاسم ونهائي، يحدد ما يجعل مقالة ما تندرج ضمن المفهوم الإبداعي للكتابة أم لا؟، هل هو معيار واحد، هل تفضيلاتك هي المنظار الفاصل في المسألة..

خذ مثالا، عندما يكتب كاتب مقالة من مليون كلمة وإلا من مائة كلمة، من السذاجة اتخاذ معيار الطول والقصر، كمدخل إدانة واعتبار ذلك تعبير عن عجز كتابي، هذه فكرة ساذجة ولا أريد أن أقول تافهة. لا علاقة للطول ولا القصر بمدى جودة الكتابة من عدمها.

ثانيا: هناك وهم ذهني لدى المثقف يسعى بموجبة للدفاع عن الكتابة كما لو أنها تابوت مغلق لا يدخله إلا ثلة من القوم.. أحيانا أقرأ مقالة لكاتب عبقري وأبصق عليها وأحيانا يصادفني منشورا لشخص مبتدئ، وأشعر بمعنى عميق فيها.. يقول أحدهم إن إعجابك بمنشور لأي شخص واعتبار ما قاله مهم، هو دليل ذائقتك المنخفضة وميولك لما يمثلك من مستوى كتابي. لا أخفيك أني شعرت بالخجل من هذا الكلام الاستعلائي والفاقد للتهذيب.

أخيرا: قد يتمكن شخص ما غير محترف للكتابة أن ينتج نصًا مليئا بالابتكار، وقد تشعر بخواء نص كتبه مثقف كبير. الكتابة ليست حالة نهائية ومغلقة يحوزها شخص ما بشكل دائم ومتواتر، وبموجبها يمنح نفسه الحق بتحديد ما ينتمي للكتابة وما يخرج عنها. صحيح قد يكون الكاتب الممتهن للكتابة، متمكنا من الحالة الكتابية وتقنياتها، لكن ذلك لا يمنحه حق إطلاق المعيار الرياضي، فهو نفسه يظل على صراع وحالة توتر دائم بينه وبين الكلمة، ينجح مرة وقد يفشل أخرى، فيما ينجح كاتب أقل منه مرتبة أو حتى مدون عادي، بخلق نص عالي الجودة، هذا ليس تمييعًا لفكرة المحددات الكتابية؛ لكن من المهم أن يكف المثقف عن تنصيب نفسه حاكما في مفهوم الكتابة، أو على الأقل يتواضع قليلا. ويتوقف عن كتابة نصوص وصفية؛ ليصدر حكما أن تلك المقالة تندرج ضمن مفهوم الكتابة وذلك الكاتب نصف موهوب. على أني لا أملك – هنا - مقياس ريختر الكتابي لتحديد النسبة بشكل دقيق. ويا لها من فوقية بغيضة.

المثقفون، ممن يحرسون معبد الكتابة، مثيرون للشفقة أحيانا بل ويستحقون الرثاء، يشعرون بالخطر فيما لو اقترب أحدهم من مملكة يعتقدون أنها يجب أن تظل حكرا عليهم ولا ينكشف سرها للأخرين، لذلك يحاولون ممارسة إقصاء بائس يظهر هشاشتهم بأكثر مما يثبت جدارته بعوالم الكتابة. وما هو محزن أيضا، أن يأتي ذلك من شخص أعده من النبلاء جدا فيهم، هذا شعوري العام حوله ولم أكن قد عرفته عن قرب.

المهم ضروري تحيط بأساليب اللغة ودلالة مجازاتها، مهم جدا، من بكرة، تبكر بدري تعمل كورس، كورس عندهم، وبعد فترة سيحددون ما إذا كنت قد استوفيت الشروط ليمنحوك إجازة كتابية أم عادك تحتاج ترم ثاني.؟!!!
محمد المياحي



قضايا وآراء
مأرب