السبت, 15 يناير, 2022 07:33:55 مساءً

انتهيت للتو من مشاهدة فيلم وثائقي الأخير "المُتَحَرِّي" والمخصص للنزاع الأثيوبي. 
 
فيلم صادم جدا ومؤثر وبالغ القسوة. الحرب هناك فوق كل تقاليد اجتماعية تصون السلم الاجتماعي وتحافظ قدر المستطاع على الأرواح والممتلكات. إنها حرب ساحقة للقيمة الإنسانية ووصول إلى أشد درجات الكراهية وأدنى درجات الأدمية. عنف مجاني وانفلات نحو الانتقام بلا أبسط وازع ولا رادع. دموع الناس صادقة وشكواهم بليغة. 
 
هذا الملف معقد ولا يسهل تقديم حكاية مبسطة له رغم اهتمامي بالقرن الأفريقي وزياراتي المتعددة لأديس أبابا ودافعي الفضولي لمعرفة الخريطة الأثنية والاجتماعية وقراءاتي السابقة إلا أنني تعلمت الكثير من الفيلم. 
 
يضعني الفلم في الصورة الإنسانية الغائبة عن التناول الإعلامي للنزاع كون التناول يقتصر على جوانب جيوسياسية بحتة ويتابع تطورات الاقتتال أو توقفه. 
 
ربما ذهابك إلى إنتاج أعمال بعيدا عن الشأن اليمني، إضافة إلى تراكم الخبرة في العمل الوثائقي سمحا لك العمل على هذا الفيلم بحرفية عالية في الحكاية والتصوير والإخراج وطرح أسئلة الغريب التي يضعها المشاهد على نفسه. تسحرني أثيوبيا بناسها ومناظرها ولغة أهلها وحتى في أوجاعها أجدني منغمسا فيها. 
 
كنت أتمنى معرفة تفاصيل حول السلاح المستخدم وحول خلفية أبي أحمد العسكرية وحول الانخراط الإقليمي والدولي، حول البنية الاقتصادية لإقليم التيغراي وخلفية الصراع مع إريتريا وتقلبات التحالفات بين الجيران والتأثير على البنية التحتية.
 
هذه مواضيع تحتاج إلى أفلام وأفلام، وأنا شره طامع في المزيد. وأتفهم أن يخصص الوثائقي للجانب الإنساني بصفة رئيسة. وكنت أتمنى أيضا لو أجد عربيا متخصصا في الشأن الأثيوبي. هذا الفيلم حصة مفيدة للمشاهد العربي حول ما يدور في المحيط القريب المغلق. المعلومات حول الحرب تكاد تكون متناثرة هنا وهناك بالنسبة للمتابع الحريص. إلا أن جمعها في تتابع صوري يجعل كل لقطة حكاية مستقلة هي القيمة المضافة في الفيلم. للكاميرا لغتها، وهذا الفيلم فنياً تقدم كبير.
 
أكتب عن هذا الفيلم كما لو كنت أنا الذي يريد إنجازه، وأظن كل من سيتناوله لا بد أن يجد له بابا يقول لو كنتَ فعلتَ كذا وكذا. إلا أن ما أقوله لا ينقص من الفيلم شيئا، وأن مدحتك عليه فلن يزيد إليك شيئاً. 
 


قضايا وآراء
انتصار البيضاء