مؤيد لحزب الله يستهدف بسكين حادة الكاتب سليمان رشدي     مصالح الأطراف الداخلية والخارجية بعد أحداث شبوة     الطالب الذي أقلق الإمام بتهريب 1000 كتاب إلى اليمن     الجيش يصد هجوم للحوثيين في مأرب     مهادنة التطرف     الصحفي فهد سلطان في حديث حول تدمير العملية التعليمية في اليمن     قوات أجنبية تقتحم منزل الشيخ الحريزي في المهرة والاعتصام يتوعد     تدشين برنامج صناعة الحلويات والمعجنات بمأرب     بسبب الحصار.. وفاة سائق في طريق الأقروض بتعز     وساطة توقف القصف مؤقتا.. تعرف على قصة الحرب في قرية خبزة بالبيضاء     اتفاقية بين روسيا وأوكرانيا لتصدير القمح برعاية تركيا     جماعة الحوثي تقصف وتفجر منازل المدنيين بمنطقة خبزة بالبيضاء     إصابة مواطن بعبوة ناسفة زعرها الحوثيون وإصابة امرأة بطلقة قناص في تعز     انتهاكات الحوثيين.. إصابة مواطن بعبوة ناسفة وامرأة بطلقة قناص في تعز     مأرب: ندوة فكرية عن خرافة الولاية وأدعياء الحق الإلهي    

الأحد, 02 يناير, 2022 07:42:14 مساءً

تتعالى الأصوات مناديه باقتفاء خطى أردوغان الذي شق لبلاده طريقاً تحت ظل العلمانية ونهض بها دونما افتعال معارك حول الهوية الإسلامية، إذ جعل من التنمية أولا، والهوية ثانياً.
هذه الأصوات تزدري المكتسبات التي أحرزها العمل الإسلامي في اليمن، وتجعل النجاح التنموي هو معيار النجاح والفشل!
بل يذهب متطرفون إلى اعتناق المنظور العلماني كونه العصا السحرية التي أخرجت تركيا إلى الوجود، وهذه غفلة شديدة منهم، وكأن تركيا لم تحكمها العلمانية منذ قرن من الزمن!
يجهل هؤلاء الطيبون أن تجربة أردوغان نشأت في دولة الجمهورية التركية، التي تترسخ فيها الدولة منذ ٥٧٠ سنة، والتي تعقد فيها انتخابات نزيهة منذ قرن من الزمن ولم تعرف التزوير قط، ومبلغ الكيد العلماني أن يقوم العسكر بإزاحة الحزب الإسلامي من السلطة عبر انتخابات عاجلة أو انقلاب ناعم، *لا يُستدعى فيه الحوثي، ولا تتفشى فيه الاغتيالات*.
بينما غابت الدولة عن اليمن منذ صلح دعان ١٩١٨م، ودخلت في سرداب الإمامة والقبيلة حتى هذا اليوم، وكان المفكرون العرب دقيقين حين أطلقوا عليها *جمهورية القبائل*، فلم تعرف ثقافة الدولة إليها سبيلا.
وبحسبك أن تقرأ هياكل ومكونات المؤسسة الأمنية والعسكرية والمؤسسات الاقتصادية السيادية في اليمن، وستجد أنها محتكرة بيد فئة قبلية من دون الناس، وفي تقارير مؤتمر الحوار الوطني غنية عن الإطناب.
ولذلك من السهل أن تنزلق اليمن إلى سلسلة حروب دورية، لأن فكرة الدولة ليست محل إجماع وطني، فلا تزال قطاعات كبيرة من الشعب، تنتمي لهويات ما قبل الدولة.
التجربة التركية، نشأت في بلد يتمتع باقتصاد زراعي وصناعي حديث وقوي، نخر فيه الفساد العلماني، ولم يسقطه.
وقبل أن يصعد أردوغان كان الناتج المحلي الإجمالي لتركيا قرابة 240 مليار دولار، واليوم بعد ٢٠ سنة من حكم أردوغان يصل إلى 800 مليار دولار، وهو تقدم كبير، ولكن أردوغان لم يبدأ من الصفر، وإنما أزال العطب عن الماكينة التركية فاشتغلت، بينما تغرق اليمن في مستنقع الفقر منذ صلح دعان وحتى اليوم، وأكبر ناتج محلي تحقق في عام ٢٠١٣م حيث وصل قرابة 40 مليار دولار، وهو ناتج يعتمد على ريع النفط، وليس وراءه صناعة متقدمة، ولا زراعة حديثة.
ثمة فجوة هائلة بين البنية السياسية التركية التي لم تزوّر فيها انتخابات واحدة منذ أتاتورك وحتى اليوم، وبين البنية السياسية اليمنية التي لم تعرف انتخابات نزيهة منذ اعتنقت الموضة الديمقراطية، وحين لاحت صناديق الانتخابات بفوز ابن شملان(2006م)، هدد عفاش بنزول الدبابات إلى الشوارع.
وكثير من الشباب الطيب يقارن بين البلدين، غافلا عن هذه الفجوة الهائلة، التي تفصل البلدين عن بعض لقرون.
عندما تخرّج أربكان (مؤسس العمل الإسلامي الحركي في تركيا) من ألمانيا نهاية الخمسينات، ذهب لافتتاح مصنع للمحركات في تركيا، وعندما تخرج عبده المخلافي (مؤسس العمل الإسلامي في اليمن) من مصر مطلع الستينات، ذهب لافتتاح مدرسة، لأن السياق البيئي مختلف.
فأربكان وجد بيئة جاهزة للصناعة، والمخلافي وجد مجتمعا يعيش في عهد ما قبل التوراة بحسب تعبير مؤرخ بريطاني.
نجح تلاميذ أربكان في النهوض التنموي بتركيا وأخفقوا في معركة الهوية بسبب التركة العلمانية الثقيلة، ونجح تلاميذ المخلافي في بعث الهوية الإيمانية لليمن، وسحبوا البساط من تحت هيمنة الهويات المنحرفة في اليمن كالإمامة واليسار، وأخفقوا في معركة التنمية، لأن البيئة متخلفة علميا ينخرها الفساد الإداري والاستبداد السياسي.
وبيننا وبين الأتراك تنمويا قرن من الزمن، وبين الأتراك والهوية الإيمانية اليمنية قرن من الزمن.
يخطئ الذين يجعلون المعيار التنموي هو الفيصل، لأن مقاييسنا الإسلامية تعتمد على المنظور الشمولي للحياة، (آمنوا وعملوا الصالحات) فالإيمان مقرونا بالعمل الصالح، والهوية مقرونة بالتنمية، والعبودية مقرونة بالأمن من الخوف والشبع من الجوع، وهذه هي الرؤية المتكاملة في ديننا، *فلا خير في دنيا بلا دين، ولا بقاء لدين بلا دنيا.*
بعد الحرب العالمية الثانية التي قُتل فيها 8 ملايين شاب ألماني، جلبت ألمانيا - رائدة الصناعة الأوربية- 11 مليون شابا تركيا للعمل في مصانعها، فاكتسبوا التقنية المتقدمة.
ولم يكن ينقص الشباب التركي المغترب سوى  نظام سياسي نظيف في بلدهم يفرغون فيه خبراتهم، وعندما جاء أردوغان، هرعوا إلى وطنهم لافتتاح المصانع ونقل التقنية.
بينما هاجر ملايين الشباب اليمني إلى الخليج، فاكتسبوا صناعة المعجنات، وتجارة التجزئة، وغيرها من الأعمال الخدمية المتواضعة، وإن عادوا إلى وطنهم لن يعودوا بأكثر من ذلك المكتسب المتواضع.
على المستوى الفكري لم يُخرج العمل الإسلامي التركي مفكرين من الوزن الثقيل، بل يعتبر المراقبون أن قيادات حزب العدالة تلاميذ أوفياء لأفكار الشيخ راشد الغنوشي، التي تدعوا لشق طريق في الوسط العلماني.
بينما بزغت عقول لامعة في العمل الإسلامي اليمني، أما العربي فلا مقارنة، وكان أربكان يحتفي بأساتذة يمنيين ويستقبلهم بكل ترحاب إجلالا للحكمة اليمانية.
غير أن النجاح التنموي في بلد مستقر مثل تركيا، جعل من رواد العمل الإسلامي هناك أساطير، في حين جنت البيئة المضطربة على ألمعية رجال العمل الإسلامي في اليمن، وجعلت الشباب الذي لا يفقه خبر التاريخ، يقيس التفوق بالمعيار التنموي، مع إغفال تام للمعايير والظروف والبيئة.
وفي الأخير : ليس هدف المقالة التنقّص من الإنجاز التنموي الضخم للزعيم أردوغان، ولا بخس لدور العمل الإسلامي في تركيا، كما أنه لا يغفل عن جوانب القصور في العمل الإسلامي اليمني، وإنما غاية الحروف أن تفتح أفقا أرحب للفهم والمقارنة الموضوعية، وعدم السقوط في براثن المقارنات السطحية الساذجة، أو الاسقاطات المختزلة، *وفي كل دور الأنصار خير،* ولكل مجتمع ابتلاءه الخاص، ومشكلاته الخاصة التي تحتاج إلى عزائم الرجال، وليس إلى أمنيات الكسالى، الذين يريدون نصرا بلا سعي ولا كد، وكأن دول العالم ومدنيات الحديثة بنيت بالأماني، ولم تسبقها أنهار من الدماء والأهوال والمتاعب.



قضايا وآراء
مأرب