الثلاثاء, 28 سبتمبر, 2021 11:37:25 مساءً

خلقت العنصرية الإمامية، واحتقارها لليمنيين في بلادهم، ردود أفعال على طول تاريخها الطويل، كان من أهمها ما كتبه لسان اليمن "الحسن بن أحمد الهَمْدانيّ 334هـ" عن الذات اليمنية في كتابه (الإكليل) وقصيدته(الدامغة)، لبيان عظمة الذات اليمنية، ودورها الحضاري المُشرق.
 
 
بعض رود الفعل نحى منحى آخر، إذ لم يحمّل الإمامة تبعة عنصريتها المقيتة، بل تورط في تعميم كراهية الهاشميين، باعتبارهم المكون الذي ينبعث منه مشروع الإمامة، وله تُقطف الامتيازات الدينية والسياسية.
رغم أن الهاشمية كمكون سكاني، أخرجت أعلاماً  ممن قارعوا مشروع الإمامة بالقلم والسيف، فالإمام ابن الوزير 840هـ كتب أكبر موسوعة علمية في تاريخ اليمن، لتقويض مشروع الإمامة الفكري (العواصم والقواصم) ، كان هاشمياً، وناله الأذى الكثير، وابن الأمير الصنعاني 1182هـ  الذي وطّن التسنن في البيوت الهاشمية، وألقى بذور الانتفاضة الفكرية على مشروع الإمامة المقيت، كان هاشمياً، وانتشرت قصيدته الرائية التي نددت بالحكم الإمامي أيما تنديد، إذ قال فيها:
 
فيا عصبة ظلَّت عن الحق والهدى
ومالت إلى أفعال طاغ وفاجر
 
يفديكم إبليس حين يراكم
يقول بكم والله قرّت نواظري
 
فكم في زبيد أغلقت من مساجد
وأغلق فيها مسجد للأشاعر
 
وفي آنس كم قرية قد تعطّلت
مساجدها عن كل تالٍ وذاكر
 
خراجِيَّة صيرتم الأرض كلها
وضمنتم العمال شر المعاشر
 
حتى أن الإمام المنصور محمد بن يحيى (جد الإمام أحمد) رأى ثمار الزرع المبارك الذي غرسه ابن الأمير، فقال غاضباً: (إن ابن الأمير أفسد ثلاثة بيوت عظيمة في اليمن: بيت المتوكل بشهارة، وبيت شرف الدين بكوكبان، وبيت إسحاق بصنعاء).
 
وفي المسار السياسي: كان هاشميو صنعاء السُنة ضمن طليعة ثوار 1948م، وقد نقل لنا حركة تسننهم المناضل العزي السنيدار في مذكراته، وفي ثورة 1962م كان جُل ضباط الثورة بصنعاء من أحرار الهاشميين، كما وثّق ذلك القائد العسكري للثورة المرحوم عبد الله جزيلان.
 
لم تقتل نظرية أهلها كما قتلت نظرية الإمامة أصحابها؛ فجُل المجازر التي أطاحت بالهاشميين كانت من فعل بني عمومتهم، لأن (كل إمام ينهض في عائلة هاشمية واحدة، يلوّح له أن خصومه ومنافسيه إنما هم الرجال البارزون في العائلات الهاشمية الأخرى فينجه أول ما يتجه للتخلص منهم قبل غيرهم)(الزبيري، الإمامة وخطرها).
 
 
فالذي قتل الإمام أحمد بن الحسين 656هـ، ابن عمه أحمد بن عبد الله بن حمزة، ومحمد بن الحسين الزيدي قتل على يد ابن عمه الحسين بن القاسم، وحفيد الهادي تصارع مع عمه حتى خربت صعدة، وأحمد حميد الدين ذبح من بيت الوزير وبيت الكبسي والموشكي حتى ارتوى سيفه، ثم التفت إلى إخوته فهذا دس له السم، وذاك بالسيف بتراً، والمسيرة الحوثية التهمت عدداً وافراً من قيادات المشروع الإمامي، ورمت آلاف من شباب الهاشميين إلى المحارق دون أن يرف لها جفن.
 و67 إماماً هاشمياً ظهروا في اليمن، جنت عليهم نظرية البطنين، وجعلتهم عرضة للقتل والسحل والتشريد؛ فهل ثمة نظرية طائشة انتقمت من أصحابها كنظرية البطنين؟!
 
واليوم تنبعث حركة الأقيال لتقدم ردة فعل متطرفة، جوهرها التنقّصُ من الإسلام- وكأنه دين هاشمي-واحتقار الهاشميين (جملة وتفصيلاً)، مع أن ساحات القتال اليوم في الضفتين (ضفة الشرعية، وضفة الحوثي) تمتلأ بالهاشميين والقحطانيين، ولو شئت لقلت: لولا خيانة الأقيال، لما خرج الحوثي من كهف مران، وقصة التمهيد السبئية للحوثي، معلومة مشهورة.
 
صحيح أن هناك شباب أحرق فؤادهم لهب المجازر الحوثية المتوحشة، وجرح كرامتهم هذا النعيق الحوثي العنصري البغيض، فرفعوا راية الأقيال، مع اعتزازهم بإيمانهم وعقيدتهم النقية؛ إلا أن ثمة عناصر تطبخ تيار الأقيال على نار هادئة، وتلك التي تعنيها هذه الحروف.
 
ما يحدث اليوم من إحضار للقومية اليمنية، على حساب هويتنا الإسلامية، ما هو إلا انبعاثة جديدة للتيار العلماني تحت لافتة الأقيال، تتخذ من القومية اليمانية منفذا لإعادة التموضع في الشارع اليمني.
ففي المحافظات الجنوبية نجح اليسار – نسبياً - في إعادة إنتاج نفسه تحت لافتة القضية الجنوبية بمسمى الانتقالي، ونراه في الشمال يعيد إنتاج نفسه تحت لافتة الأقيال، بعد أن فشلت تجربتهم البائسة، حيث عمدوا إلى تغيير جلودهم، والخروج إلى الناس تحت لافتة جديدة.
يتجاهل الكثير أن لافتة الأقيال المتطرفة، تخدم الحوثي أكثر مما تضره، إذ تمنحه مظلومية عند السذج، وتكسبه تعاطفاً عند حاضنته الهاشمية، حيث يتوجس المغفلون منهم أن (هولوكست الأقيال) ينتظرهم، وهو تخادم يساري حوثي مكشوف.
التخادم اليساري الإمامي ليس وليد الانقلاب كما يتصور البعض، بل هو قديم، وبحسب القارئ أن يعرف أن بدر الدين الحوثي كان متعاطفاً مع البيض الانفصالي، وأن الانتقالي اليساري قاتل تحت راية الحوثي قبل أيام في شبوة، وأن اليسار هلل ورحب بوصول الحوثي إلى صنعاء، واعتبر ما يقوم به من انقلاب جراحة ضرورية.
...
 
نحن مسلمون أولاً، ويمنيون ثانياً، وبدون الإسلام الجامع لنا، ثمة عصبيات وعنصريات ومناطقيات تشتبك في اليمن، كافية لتدمير ثلاث قارات، ومن يقرأ تاريخ اليمن يدرك ذلك.
 
 
مهمة المصلحين في اليمن – وقد قطعوا شوطاً كبيراً- أن يدفنوا الانتماءات العصبوية الضيقة، ويعيدوا صياغة المسلم اليمني الكوني.
 
 
بدون الهوية الإسلامية النقية من شوب التشيع والعنصريات، ترقّب ألف راية، وألف حرب وألف ثارات من لدن سبأ وحتى مهرجانات التصالح والتسامح.
..
 
لعبة الأقيال التي يلهو بها اليسار في اليمن، محرقة، لن ندرك أبعادها إذا تهاونا معها، إلا بعد خراب مالطا(كما يقال).
 
 
ثمة طريق واحدة للتعامل مع إجرام الإمامة وعنصريتها تتمثل في كسر عنفها بالسيف، وضحد هرطقتها بالقلم الإسلامي الوسطي الواعي، فالفكرة المجنونة لا تواجه بجنون عنصري مضاد، والنجاسة لا تزال بالنجاسة كما قال الشهيد زيد الموشكي.
 
 
لقد قطع المصلحون اليمنيون شوطاً كبيراً في هذا المضمار، وقدموا تجربة فريدة على مستوى العالم الإسلامي حديثاً، في تسنين جغرافية المذهب الهادوي، حتى أن صاحب ذمار دخل الجامع الكبير، فسمع التأمين، فقال: يهناك يا جامع ذمار والدنانة... وهو تعبير رمزي عن التحول العميق الذي جرى على يد المصلحين في النصف الثاني من القرن المنصرم، حتى قام أشقاها، وبعث الإمامة من مرقدها.



انتصار البيضاء