الثلاثاء, 14 سبتمبر, 2021 08:31:26 مساءً

في اليوم الذي نفذ حكم الإعدام بحق الأربعة المتهمين بقتل الشاب الأغبري، قال أحد الحقوقيين، إن الحكم غير صحيح، وعندما سألته، لماذا؟ تحدث عن مفهوم الإعدام نفسه وتحدث عن أشياء كثيرة، ليس من بينها ما يتعلق بمجريات سير قضية الأغبري تحديدا، بل بما يتعلق بعقوبة الإعدام ككل، شأنه في ذلك شأن ألبير كامو ومفكرون آخرون رفضوا فكرة الإعدام لأي سبب.
تفتقد الجماهير للذكاء، لكن المثقف وصاحب المعرفة يخاف من الجماهير ويخاف من الرأي العام.
هذه المقولة تنطبق كثيرا على قضية عبد الله الأغبري.
بعد يومين من تنفيذ حكم الإعدام اقتنعت بأن الحكم باطل، ليست للأسباب ذاتها التي جعلت المحامي يرفض حكم الإعدام، بل لأن هناك اختلالا في سير القضية، ولست محاميا، لكن هناك أدلة تدين المتهمين بالتعذيب وليس بالقتل وهي واضحة لأي متابع.
لكنه الرأي العام، والجموع التي تفكر بالغضب والعاطفة ولا يملك المثقفون أي شجاعة لمواجهة تلك القوة.
اليوم يكتب محامون ويتحدث الكثيرون منهم محمد المسوري عن أن الحكم كان باطلا، ولكن هؤلاء المحامون لم يكتبوا قبل تنفيذ الحكم أي شيء يؤكد أن المتهمين يستحقون العقوبة على التعذيب وليست بالطبع عقوبة الإعدام.
لو أنهم تكلموا ورفعوا أصواتهم لكانوا ربما منعوا حكم الإعدام، ولو كانوا قد اتخذوا موقفا لربما منعوا سقوط البلاد بيد مليشيا الحوثي، ولكنهم جبناء دائما وذوو مواقف ضعيفة وأيادي مرتعشة.
أبسط تعريف للمثقف هو أنه لا يخاف الرأي العام، والمحامي هو العالم في مجاله وكان عليه أن لا يخاف الرأي العام.
في فرنسا وقبل أكثر من مائتي عام كان هناك تاجر اسمه جان كالاس بروتستانتي يعيش في مدينة كاثوليكية، لديه ابنان وبنتان وزوجة وخادمة.
أراد الفتى ابن التاجر الالتحاق بأحد المراكز التعليمية، ولأنه كان بروتستانتيا فقد منعه ذلك من الالتحاق بهذا المركز، ويبدو أنه تكونت لدى الفتى نية مبطنة بالتحول الى الكاثوليكية، حتى يتسنى له الالتحاق بالمركز.
عند وصول صديق ابن جان كالاس، تناولت الأسرة جميعا العشاء، باستثناء الولد الذي كان ميالا الى الثقافة والأدب، بعد تناول العشاء الحميمي، ولغرض من الأغراض تجول الضيف في زوايا المنزل، وعند الوصول إلى إحدى الغرف وجدوا ابن جان كالاس منتحرا ومشنوقا على حبل.
لم يتقبل المجتمع القصة بهذه الطريقة، نسجوا قصصا أخرى انتشرت سريعا بفعل التعصب المذهبي خلافا لما هي عليه الحقيقة كما تفعل كل الجماهير الغاضبة، فقد قالوا إن جان كالاس استدعى صديق ولده لتقوم الأسرة بكاملها بعملية تواطؤ جماعية، وشنق ابنهم خوفا من تحوله للمذهب الكاثوليكي.
تحت ضغط سكان المدينة ومطالباتهم تمت إدانة الأسرة بكاملها باعتبارها شريكة في الجريمة، وتحت ضغط التعصب المجتمعي قُدم الأب للمحاكمة، وقد تم قتله بطريقة بشعة وبتعذيب مستمر حتى فارقت كل خلية من خلاياه الحياة على حدة، وقد شعرت كل خلية من خلايا جسد ذلك التاجر بألم الموت، ولكن خلال تلك المدة لم يعترف الأب مطلقا بأي ذنب.
عند ذلك خاف القضاء من الاستمرار في قتل أسرة كاملة، وشعروا شعورا خفيا بخطئهم، وحتى يتجنبوا الاعتراف بالخطأ، فقد حكموا على بقية أعضاء الأسرة بأحكام دون القتل، فقد نُفي الابن الآخر، وتم إدخال الفتاتين في دير كالثوليكي مدى الحياة، وتم مصادرة كل أملاك الأسرة، وترك الأم مشردة وفقيرة دون مأوى.
بعد سنوات وعندما ساعد محامون المرأة على تقديم شكوى لملك فرنسا تم تبرئة الأسرة، وإعادة الأبناء، وقد اعتذر القضاء عن هذه الواقعة، ولكنه لم يستطع أن يعيد الأب إلى الحياة، أو ينجح في إزالة صورة الأب المعذب من خيال الزوجة والأبناء..


قضايا وآراء
مأرب