السبت, 11 سبتمبر, 2021 06:35:31 مساءً

لعل إحدى التحديات الفكرية للإصلاح، حل مشكلة "القبول بالآخر" نظريًا، يقول الإصلاحيون: نحن نقبل بالأخر، عمليًا لا يحدث هذا كثيرًا. فما إن يكتب شخصًا فكرة تعارضهم إلا ويحتشد أنصار الحزب بشكل عفوي للفتك به، ثم لا ينسون التنويه، عن قبولهم للنقد والترحيب به، ولا يدري المرء، أين ومتى وكيف يتجلى قبولهم هذا..؟!
لديّ أصدقاء كثر مثقفين وشعراء وكُتّاب لا يحملون ضغينة تجاه الإصلاح، بل ومستعدين لإنصافه في مواضيع كثر؛ لكنهم يحتفظون بملاحظات نقدية مهمة تجاه الحزب.. وإذا ما حدث أن قالوها بكل تجرد وصدق، سرعان ما يجدوا أنفسهم محاصرين بحشود عنيفة تصب عليهم كل أنواع التهم والتسخيف والتشكيك بدوافع ما يقولونه. 
تُواجه الإصلاحيين تهمًا كثيرة ومخاوف من طريقة تعاملهم مع الأخر، لا يكفي أن تُكرر القيادة تطمينات علوية، ومرونة فكرية تؤكد تسامحهم مع الأخر، فجوهر التحدي يظل قائمًا، التحدي القادم من قواعدهم، حيث الحشود الجاهزة لافتراس كل من يفصح عن فكرة مناهضة لهم. 
تلعب التربية التنظيمية الصارمة، دورًا في تنشئة جيل ذو رؤية أحادية ومغلقة للحياة، تصور مطلق تمتزج فيه شحنة العقيدة بالموقف السياسي؛ فينتج لنا بشر لا يكادون يتصورون وجود أي رأي سليم خارج موقف الحزب والجماعة، وكما يقال: حين يركز المرء على نقد ما يعتقد بعدم صوابيته؛ يعجز عن رؤية الخطأ فيما يؤمن بصوابه. ذلك أن محاولة تدمير فكرة الأخر، تؤدي دورا في تعزيز فكرتنا وبشكل يجردك من إمكانية الشك بها. 
يحتاج الإصلاح، لتخفيف هذا السلوك التربوي الحاد، على الأقل فيما يخص الجانب السياسي، يحتاج لتطعيم منهجه بكتب فكرية تُفسح مساحة للأخر، تُعلم أنصارهم الشك بأكثر المسلمات ثباتا وإطلاقيه. يحتاج أن يرسخ لديهم قناعة مركزية، إن الشك جزء من الإيمان، وليس نقيضًا له بالضرورة. 
شخصيًا، في اللحظة التي يزعجني فيها قول الأخر، حتى لو كان قولًا مستفزًا، في هذه اللحظة أشك فيها بمتانة فكرتي، وأتوقف طويلا مع هذا الرأي المستفز وبما يمكنني من التعاطي معه بهدوء، تفكيكه والرد عليه أو حتى التسليم به متى تلمست منطقًا فيه. نحن ننمو بهذا التدافع الحر للأفكار، بدون هذا يتعطل الوعي وينمو بشكل متطرف وصولًا للقطيعة أو الدم. 
 


انتصار البيضاء