الاربعاء, 28 يوليو, 2021 01:14:33 مساءً

يرى الفيلسوف المعاصر زكي نجيب محمود في كتابه "الشرق الفنان" أن العالَمَ كله على طرفين اثنين من حيث تعاطيه مع الوجود، الأول: الشرق الأقصى: "الهند والصين وما جاورهما" وينظر إلى طبيعة القضايا ببصيرة خارجية تنفذُ إلى الجوهر الباطن، نظرة فنان بحدس واستشفافٍ يدرك من خلالهما الحقائق، وقد تفانى معها روحيًا بالذوق والاستجلاء. 
 
والآخر هو الغرب: "أوروبا وأمريكا"، ويتعاطى مع حقائق الوجود بأدواتٍ تبدو نقيضةً لأدوات الأول، أي بالنظر العقلي، وبالمعادلات التحليلية، وبالحس والتجربة والمشاهدة التي تُفضي إلى النتائج الرياضية، القائمة على المقدمات المنطقية؛ وهذه هي طبيعة العلم، لا طبيعة الفن. مع الإشارة إلى وجود تداخلٍ بين الرؤيتين لدى هذين الطرفين، أي قد يكون العقلُ الشرقي رياضيًا تحليليًا، وقد يكون العقلُ الغربي فنانا متذوقا. وما تناوله هو على سبيل الإجمال. ومع التنبيه أيضا إلى المنزع الفلسفي والفكري الخالص لدى الفيلسوف زكي نجيب محمود، ولا علاقة له هنا برؤية صاموئيل هنتنجتون الذي يؤكد على ذات الرؤية، ولكن من منظور سياسي آخر، كامتدادٍ لرؤية أستاذه المستشرق الشهير برنارد لويس. 
 
وفيما بين الشرق الأقصى والغرب: الشرقُ الأوسط، والذي يُعتبر حالة جامعة للرؤيتين المتناقضتين، ففيه روح المتصوف وقلب الفنان، وفيه أيضا عقلُ العالم ومنطقُ الفيلسوف. وقد أصاب الفيلسوف زكي نجيب محمود في رؤيته هذه بالاستقراء والتحليل، ومن يتأمل في تفاصيل الروح الجامعة للدين الإسلامي مثلا، وهو بطبيعةِ الحالِ يشكلُ مرجعية كبرى في الثقافة والسلوك على مستوى الشرق الأوسط يجد فيه منذ بواكيره الأولى روح الصوفي وعقل المعتزلي، ذاكرة السلفي ومنطق الفيلسوف؛ وما ظاهرتا العقل والنقل في المذاهب الفقهية إلا التجلي الأبرز لهذه الظاهرة، ناهيك عن المنهجيات العلمية للجماعات والفرق الكلامية الأخرى التي تشكلت على هذا الأساس. 
 
مرة أخرى: عقل المعتزلي وقلب المتصوف، مع الإشارة إلى أنّ التصوفَ هنديُّ المنشأ من قبل ظهور الديانات السماوية كلها، وحين انتقل إلى هذه الديانات اصطبغ بها، كل ديانة على طريقتها، مع وجود مشترك جامع بين الكل. 
 
لن نستطردَ كثيرًا هنا، فموضوعُنا هو سيمفونية بيتهوفن الخامسة تحديدًا، وهي من أشهر المعزوفات الموسيقية في تاريخ الموسيقى، إلى جانب السيمفونية التاسعة التي تقتربُ منها موضوعًا، بأدائها الكورالي، وجوها اللاهوتي، مع ما يصاحبُ هذا الجو من روحِ طاغية على المشهد، خاصة في الجزء الأخير منها، والأخيرة اعتبرها البعضُ أعظمَ عملٍ موسيقي في تاريخ الموسيقى كله قديمًا وحديثًا. ولا تزال هذه الأعمال موضوع دراسة وإعجابٍ إلى اليوم؛ على الرغم من مرورِ ما يزيد عن مئتي عام. كما لا تزالُ مصدر إلهامٍ لرجالاتِ هذا الفن، وتحتلُّ زخم المكان والزمان على المستوى الشعبي قبل النخبوي، لا في الغرب فقط، ولكن أيضا في الشرق. 
أما لماذا هذه السيمفونية دون غيرها؟ فهذا ما سنوضحه بعد قليل. 
 
الحقيقة إنّ هذه السيمفونية على وجه التحديد بقدر ما كانت غربية المنشأ والمنهج والذوق إلا أنّ روحَ الشرق تتجلى فيها، كما لو أنها شرقية أساسًا. ولعل هذا هو سرُّ الجمال والإبداع الذي تجلى فيها. 
 
برزت روحُ الشرق في الغرب من خلال الموضوع الرئيسي لها أساسًا "القَدَر". وهي الفكرةُ الدينية التي تسكنُ العقل الباطن للإنسان الشرقي أكثر من عقله الواعي، فيما هي عند الغربي أقل، وأحيانا لا وجود لها، إذا ما توقفنا أمام فلسفات الّلا أدريين والإلحاديين..
هذا على صعيد الموضوع الرئيس، وفيما يتعلق بثيمياء النص "المضمون الملحمي للنص السّمعي" فقد أجابَ عنه بيتهوفن نفسه، حسبما يروي عنه تلميذه أنطون شندلر حين سأله عن الفكرة الافتتاحية للمعزوفة الخالدة، فأجاب: "إنه صوتُ القدر يطرقُ الباب". 
 
إنه صراع الوجود في هذه الحياة عبّر عنه بيتهوفن موسيقيًا بنصٍ سمعي، يُدرَك حدسًا، كما عبر عنه قبل ذلك فيلسوفُ الشعراء وشاعرُ الفلاسفة أبو العلاء المعري فلسفيًا في واحدة من أبدعِ "سيمفونياته الشعرية" التي تُعتبر ملحمة فكرية، فيها الجدل والشك والتقرير والحقيقة معا، في قصيدته الأشهر "غير مُجدٍ في ملتي واعتقادي". 
وهي القصيدة التي حاكاها وتفوّقَ عليها الشاعر البردوني، القصيدة المجرة الحاشدة "فلسفة الجراح" ومنها هذا النص القريب إلى موضوع المعزوفة: 
بي ما علمتُ من الأسى الدامي وبي   من حُرقةِ الأعماقِ ما لا أعلمُ
بي من جراح الروح ما أدري وبي     أضعافُ ما أدري وما أتوهّم
وكأنّ روحي شعلة مجنونة                تطغى فتضرمني بما تتضرّم
وكأنّ قلبي في الضلوع جنازة           أمشي بها وحدي وكلّي مأتم
أبكي فتبتسمُ الجراحُ من البكا                فكأنّها في كلّ جارحة فم
يا لابتسام الجرح كم أبكي وكم           ينسابُ فوق شفاهه الحمرا دم
أبدًا أسيرُ على الجراح وأنتهي            حيث ابتدأتُ فأين منّي المختم؟
وأعاركُ الدنيا وأهوى صفوها          لكن كما يهوى الكلامَ الأبكم
وأباركُ الأمّ الحياة لأنّها                أمّي وحظّي من جناها العلقم
حرماني الحرمان إلا أنّني                أهْذي بعاطفة الحياة وأحلم
هذا ما قاله البردوني المعاصر، ذو النزعة الكلاسيكية في عمله الإبداعي بشكل عام، وإن كانت روحُ الرومانسية الحزينة متدفقة هنا، كما تبدو متدفقة لدى بيتهوفن، ذي النزعة الإبداعيّة الكلاسيكية، ولكن في بداية العصر الرومانسي الأوروبي، وإذا كان بيتهوفن مبدعًا استثنائيا قد تصالحَ مع الصّمم الجزئي منتصف عمره، فالنهائي آخره، فكذلك الشأنُ مع البردوني الذي عاش متصالحًا مع العمى منذ بداية حياته حتى نهايتها. كلاهما أحبا الحياة، مُعارِكَين قدَرها، كما رأينا في لوحة البردوني السابقة، وكما يبدو في السيمفونية الخامسة لبيتهوفن، وكما يقول أيضا: ".. أنا أشعرُ بالسعادة الغامرة على هذه الأرض. وأنا لا أتحملُ الشعورَ بالتعاسة. سوف أمسك القدر من عنقه. لن يقدر على الانتصار علي. آه…كم أنت جميلة أيتها الحياة. وكم جميل أن تعيش فوق هذه الحياة ألف حياة"؟! 
 
إنَّ تلك الألحان اعتملت بأدوات النفس الداخلية قبل أن تتجسد بأدوات اللحن الخارجية، عاشها الفنانُ روحًا بالتأمل والاستبطان قبل أن يعيشَها واقعًا بالتذوق، وهذا هو سرُّ إبداعها الخالد. وبطبيعة الحال فالتأمل والكشف والذوق والحدس والاستبطان مفردات تنتمي إلى المعجم الشرقي أكثر من المعجم الغربي القائم على مفردات مقابلة لها كالحس والمشاهدة والتجريب والتحليل والاستنتاج. المفردات الأولى تنتمي للوجدان الشرقي، فيما الأخرى تنتمي للعقل الغربي.
 
 إنها تشبه لوحة "العشاء الأخير" أشهر اللوحات المقدسة التي أبدعها دافنشي لمدة ثلاثِ سنوات، كان يتفانى فيها روحيًا، كما يتفانى الناسكُ في صومعته، وهو ذاتُ الشأن مع بيتهوفن الذي أبدع هذه السيمفونية في أربعِ سنوات متتالية ما بين: 1804 إلى 1808م، متفاعلا بصورة ما مع مشهد الثورة الفرنسية الذي كان حديث العامة والخاصّة في أوروبا جميعها آنذاك، مع ما أحدثته هذه الثورة من تغييرات جوهريّة في الثقافة والسُّلوك والفكر. 
 
أخيرًا الفنُّ يوحّدُ الشعوبَ على اختلاف عقائدِهم وأوطانهم وأعراقهم؛ بل ويقيمُ جسورَ التواصل التي هدمتها السياسة، وفي عالم الفن وعوالمه نستطيع القولَ أنّ الشرقَ غربٌ، وأنّ الغربَ شرق، وكلاهما واحد. 
مصدرُ الفنِّ واحدٌ هي الذائقة الإنسانية، وغايته واحدة، هي الإمتاع، ومهما اختلفت أذواقُ الإنسانية إلا أنها مشتركة في منزعها الإنساني العام.
 


قضايا وآراء
مأرب