ديمقراطية تونس في خطر     استشهاد ثلاثة مدنيين بقذيفة لمليشيا الحوثي على حي سكني شرق مدينة تعز     ضبط خلايا إرهابية تابعة لمليشيا الحوثي في أربع محافظات     مليشيا الحوثي تستأنف الهجوم على الحدود السعودية     يوم فني في تعز على سفوح قلعتها العريقة     محافظ مأرب يشيد بالوحدات الأمنية ودورها في تعزيز الأمن والاستقرار     مسلح حوثي يقتل والديه وهما صائمين بسبب رفضهم انضمامه لصفوف المليشيا     الفطرية في شخصية العلامة محمد بن اسماعيل العمراني     الموت البطيء في سجون الإمارات بعدن.. صحفي يروي تفاصيل الاعتقال والتعذيب     تفاصيل انهيار جبهة الزاهر بالبيضاء ومن أين جاءت الخيانة؟!     تخرج وحدات أمنية من منتسبي وزارة الداخلية في محافظة أبين     القاضي محمد بن إسماعيل العمراني.. مئة عام من الفقه والتعليم     السلالية.. العنف والتمييز العنصري     الملك سلمان يلتقي سلطان عمان والإعلان عن مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين     مسؤول في الجيش: المعركة مستمرة في البيضاء ومأرب والجوف بإشراف وزارة الدفاع    

الأحد, 11 يوليو, 2021 10:42:34 مساءً

بالأمس، مات شاعر في المدينة، مات توفيق القباطي وكان يجب أن يعيش، رحل قبل موعده بكثير، هذا ليس قدر نازل من السماء، لم تخطفه الآلهة؛ بل ابتلعته جحيم الحياة وطوت سنوات عمره سريعًا. غادر توفيق في لحظة نحن أشد حاجة فيها للشعر، أشد عطشًا لمن يرمم وجه الحياة ويحنو على قلوب الأجيال المتعبة. 
 
هذا ليس موت عاديّ، هذا انطفاء بالغ الفداحة، موت شاعر يعني انسداد أحد ينابيع المعنى في الحياة، خسارة روح بقاءها يضفي قيمة على الوجود، ويحرس هشاشة العالم. الشعراء يحرسون هشاشة العالم، كما يقول، شاعر ألمانيا الكبير، هولدرين. بدون الشعراء، لا أحد يمكنه تصور طبيعة الحياة المتجهمة، القاسية، وحده الشعر ينشِّط وجودنا الخامل، ويهمس في أذنك: ما تزال الحياة ممكنة. 
 
لا قيمة ملموسة للشعر، قيمته في ذاته، تلك الطاقة الداخلية التي يبثها فيك هي قيمته الخالدة، وكلما وجدت إنسانا يقدس هذه القيمة ويدرك وزنها بالحياة، كان ذلك دليلًا على رفعة مداركه. 
لا أعرف توفيق ولم أسمع به إلا بالأمس، بعد رحيله، رثاءه الكثير، شخصيات كبيرة كانت تعرفه، هل هم حزانى من أعماقهم، لا أدري، لا أستطيع التشكيك بمشاعرهم، غير أني لا أشكك ببلادتهم أيضًا. هل تذكره أحد وما يزال حيًّا، هل كان بمقدور أحدنا انقاذه ولم يفعل. بالطبع نعم. 
لا جدوى من تطهير أنفسنا بالعتاب والجلد وقد غادر توفيق، وإن كان هناك من فكرة يمكننا أن نعيد التوقف معها طويلًا في مقام الحزن هذا، هو ما الذي يتوجب علينا فعله لحراسة وجودنا من الاندثار، برنامج، خطة، مؤسسة، تُفتِّش في أحوال كثيرين وتفتح لهم فضاءات آمنة  للانطلاق وترميم حياتهم المتصدعة. 
 
كثيرون يعيشون بيننا، ولا نعرف عنهم شئيًا، علاقتنا شكلية وزائفة، في أحيان كثيرة، تعيش مع صديق وتتواصل به ولا تعلم عن عالمه الداخلي شئيًا، أصدقاء هنا، شباب ورجال في منتصف العمر، حياتهم مهشمة؛ لكن أحدًا لا يرى ما لا يرى، الجميع يراك من خارجك، لا أحد يحدق في داخلك. 
نفتقد للذكاء النفسي في تعاملاتنا مع بعضنا، تلك الروح الحساسة والقادرة على التقاط الشعور الذري في الأخر وفهم نفسيته، نفتقد لعمل منظم ينقذ حياة الكثير، تحديدًا المشتغلين في العوالم الإبداعية.
 
 في العالم كله، ينال المبدعون عناية خاصة، ويُعمرون طويلًا، هذه الفئة من البشر، هم الذخيرة الحية في حياة الشعوب، وحماية حياتها هو مساهمة في حماية حياة الملايين.
من يكتب قصيدة أو نص أدبي أو أغنية أو لحن أو لوحة فنية، هو شخص يضخ الحياة في وجدان الملايين، قيمة الفن في كونه يقدم خدمة روحية عامة. لهذا لا أحد من الساسة يكترث لهؤلاء المبدعين، لماذا..؟ لأن الغالبية العظمى من مسؤولينا من ذوي المدارك العقلية المنخفضة.. بلداء وتافهين وضمائرهم متفحمة. 
 
لو كان توفيق ناشطًا سياسيًّا؛ لنال رعاية هذا الطرف ًأو ذاك، لكنه مات. مات لكونه شاعر قصائده لا تذود عن حزب ولا تمجد شخصية سياسية، كان يقول شعرًا يذود به عن أرواح العاشقين ويجبر كسور المتعبين، كان يؤنس وحشة الحياة ويخفف قسوة الألم الذي صنعه الساسة في حياتنا، كان حارس للحياة، ومات مكشوفًا ولم يحرس حياته أحد. يا لقسوتنا جميعا. 
رحل توفيق ممزقًا، وعاش في المدينة رجال كثر، ساسة متخمين، وبلداء ولا يعلمون شيئًا عن حياة أبناءها ع الأرصفة.
 


قضايا وآراء
انتصار البيضاء