مصرع 9 حوثيين في تعز بغارة للتحالف     واشنطن تكثف جهودها لوقف الحرب في اليمن وغارات ليلية في صنعاء     الأعياد الوطنية.. ذاكرة شعب وجلاء كهنوت     قبيلة حجور تصدر بيانا حول اعتقال النقيب خليل الحجوري من قبل التحالف     "التهاني".. كجريمة بحق اليمن!     مؤامرة السهم الذهبي والمحافظة المزعومة     واشنطن تدين عودة مليشيا الحوثي إلى اختطاف موظفين في سفارتها بصنعاء     قصة الصرخة الحوثية "الموت لأمريكا"     فريق طبي بمستشفى يشفين ينجح في إجراء عملية معقدة لأحد المرضى     مركز المخا للدراسات الاستراتيجية يستضيف ورشة حول العلاقات اليمنية الصومالية     قراءة في دوافع انسحاب القوات المشتركة من الساحل الغربي ( تقدير موقف)     الإعلان عن تأسيس أول منظمة عالمية SYI للدفاع عن المهاجرين اليمنيين خارج وطنهم     معلومات وتفاصيل تكشف عن الأسباب الحقيقية لانسحاب القوات المشتركة المفاجئ في الحديدة     محمد آل جابر بريمر اليمن     تحرك دولي ومحلي واسع للتحقيق مع رئيس الوزراء معين عبدالملك في أكبر قضايا فساد    

الثلاثاء, 22 يونيو, 2021 01:07:55 صباحاً

  أثار استخدام رئيس البرلمان سلطان البركاني، للفظ "الحديقة الخلفية"، في سياق وصفه أهمية اليمن للسعودية ودول الخليج، الكثير من الجدل والسخط في آن. وبتقديري، ليس مهما هنا هل أراد  البركاني مغازلة قيادة المملكة، في طموح لم يعد يخفى نحو منصب الرئاسة، أم خانته ثقافته السياسية؛ المتدنية بالمناسبة لدى أغلب النخب السياسية اليمنية؟ لكن الأهم أن ما قاله البركاني عن اليمن، هو ما تعتقده السعودية، وما يتعامل به العالم، والأكثر خطورة أن الشرعية اليمنية تقدم اليمن للعالم كحديقة خلفية للسعودية، ونفسها كبستاني داخل تلك الحديقة.
    اليمن، من البلدان التي قدر لها؛ كسوء حظ، أن تدفع ضريبة موقعيها الجيوسياسي والجيومائي؛ حيث تتحكم الجغرافيا بالسياسة والماء باليابسة، لتقع في أوقات الضعف السياسي والوهن الاقتصادي، رهينة الصراعات الإقليمية والدولية، التي جعلت اليمن في موضع "الحديقة الخلفية" لجيرانها، رغم كونها في الأساس تؤدي لهم دور "الحديقة الأمامية".
 
  نشأ مفهوم "الحديقة الخلفية"، في الأساس، بأوروبا، كحاجة اجتماعية، حيث حوّل البريطانيون الفناء الخلفي للمنازل، إلى مكان لممارسة ما لا يجرؤن على فعله في فنائهم الأمامي، وهُندست المنازل حينها بمساحة تتضمن حدائق أمامية وخلفية، ومن وقتها أضحت "الحدائق الخلفية" ثقافة أوربية عامة؛ اجتماعية واقتصادية، ومن إطارها تم سحب تلك الثقافة إلى الفضاء السياسي.
 
  استخدمت "الحديقة الخلفية"، لأول مرة  في المجال السياسي، من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، لوصف تبعية دول أمريكا اللاتينيّة لها، قبل أن تصبح مصطلحا سياسيا مستخدما في أنحاء العالم، معبرا عن وضعية تبعية دول لأخرى، ودخل المجال السياسي العربي بعد تعامل الدول الغربية مع فلسطين كحديقة خلفية لأطماعها الاستعمارية.
 
  ومع أن الزعماء العرب، كانوا مجرد حدائق خلفية للغرب، إلا أن "الحديقة الخلفية"، تحولت لتقليد يحكم علاقة حكام العرب ببعضهم، فدمشق في عهد الأسد تعاملت مع لبنان كحديقة خلفية، وبغداد حاولت في عهد صدام تحويل الكويت بالقوة إلى حديقة خلفية لها، والسعودية تعاملت مع جيرانها بنفس المنطق، لتجد إيران فرصتها الثمينة لاستثمار انشغال العرب بصراعهم حول فنائهم الخلفي، ونجحت ببناء أشجار لها في الحدائق الأمامية لـ(بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء).
 
 عمليا، ومن الناحية السياسية، لا توجد عاصمة عربية إلا وتمارس دور الحديقة الخلفية لدول إقليمية ودولية، والمجتمع الدولي الذي يمتلك خبرات في البستنة السياسية، رسم جغرافية الوطن العربي السياسية على شكل حدائق أمامية وخلفية تابعة له، ضمن مفهوم سياسة "الأدوار والأطراف"، ورسم لكل عاصمة عربية أدوارا محددة  أمامية متقدمة، بتأثير معين لا يتجاوز حديقتها الخلفية.
 
  وصل الوضع بالعرب إلى اعتبار "الحديقة الخلفية"؛ رغم وضاعتها سياسيا، ميزة تستدعي المنافسة فيما بينها، وهذا ما فعلته الإمارات التي قامت بممارسة أدوار تؤهلها للوصول إلى منزلة لعب دور "الحديقة الخلفية" لصالح واشنطن، ومع ذلك وقبيل توقيع اتفاق التطبيع مع الكيان الصهيوني، فإن ترامب في سبتمبر (2020)، لم يجد أبوظبي مناسبة لهذه المنزلة، وقال حينها: "الإمارات دولة ممتازة، ويمكن القول إنها "بوابة" خلفية، لكنني أصفها بالبوابة الذكية". في إشارة إلى كونها لا تجيد سوى لعب الأدوار القذرة سياسيا، بينما وضع السعودية في نطاق لا يتجاوز الصفقه المالية.
  بالنسبة للسعودية؛ الحديقة الخلفية لواشنطن، فإن ثقافتها السياسية تتعامل مع اليمن كحديقة خلفية، مع أن المملكة عند التهديدات التي تطال أمنها القومي، لا تجد في اليمن إلا "بوابة" لحديقتها الأمامية، ولذا فإن اليمن تمثل مشكلة سعودية بالغة التعقيد، حيث أن طبيعتها المتعلقة بترابط الجغرافيا بالسياسة، وارتباط اليابسة بالأمن المائي؛ الإقليمي والعالمي، يجعل من اليمن بوابة أمامية أمنية دائمة للسعودية، وليس مجرد حديقة خلفية.
 
  اليمن، من الدول ذات السيادة، التي تحتم طبيعتها الجيوسياسية، أن تشكل لغيرها مصدر أمان وتهديد في آن واحد، وهذا يعتمد على اختيار طريقة التعامل مع سيادتها، هل كبوابة أمامية أم كحديقة خلفية، وهو ما يظهر مأزق السعودية، التي لم تحسم بعد ما هي اليمن بالنسبة لها؟ فرغم أنها تفضلها سياسيا حديقة خلفية، إلا أنها جغرافيا تتعاطي معها كبوابة صد أمامية ضد الأخطار التي تتهددها.
 
  في كل الأحوال، فإن السعودية ومعها الإمارات، ليست إلا دول تؤدي مهمات وظيفية لصائغ فكرة "الحدائق الخلفية"؛ واشنطن هنا، وهذه مهمات ستخلق لها مشكلات مستقبلية، لأنه لا شيء في السياسة مستدام، فقد تتحول هي إلى حديقة خلفية لليمن.. أما اليمن فمشكلتها الحقيقية تكمن فيما لخصه المسرحي الألماني برتولد بريشت بقوله: "ليست محظوظة البلدان التي تحتاج إلى أبطال". وليس المعنى أن اليمن يتيمة منهم، بل في كونهم مغيبون عمدا، من دائرة النخبة السياسية، التي تمثل اليمن، حاليا، وتفهم اليمن من عقلية مالك حديقة، طلب من شخص ما إدارتها، وفضل هو الإكتفاء بأداء وظيفة البستاني.. ومستمتعا بها.
نقلا عن موقع اليمن نت


قضايا وآراء
انتصار البيضاء