ديمقراطية تونس في خطر     استشهاد ثلاثة مدنيين بقذيفة لمليشيا الحوثي على حي سكني شرق مدينة تعز     ضبط خلايا إرهابية تابعة لمليشيا الحوثي في أربع محافظات     مليشيا الحوثي تستأنف الهجوم على الحدود السعودية     يوم فني في تعز على سفوح قلعتها العريقة     محافظ مأرب يشيد بالوحدات الأمنية ودورها في تعزيز الأمن والاستقرار     مسلح حوثي يقتل والديه وهما صائمين بسبب رفضهم انضمامه لصفوف المليشيا     الفطرية في شخصية العلامة محمد بن اسماعيل العمراني     الموت البطيء في سجون الإمارات بعدن.. صحفي يروي تفاصيل الاعتقال والتعذيب     تفاصيل انهيار جبهة الزاهر بالبيضاء ومن أين جاءت الخيانة؟!     تخرج وحدات أمنية من منتسبي وزارة الداخلية في محافظة أبين     القاضي محمد بن إسماعيل العمراني.. مئة عام من الفقه والتعليم     السلالية.. العنف والتمييز العنصري     الملك سلمان يلتقي سلطان عمان والإعلان عن مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين     مسؤول في الجيش: المعركة مستمرة في البيضاء ومأرب والجوف بإشراف وزارة الدفاع    

الإثنين, 21 يونيو, 2021 11:11:08 مساءً

في أي مجال، عند مناقشة أي قضية علمية والكتابة فيها فإن أول شروط هذه المناقشة التجرد عن أي ركام سابق من القناعات الجاهزة والمحشورة في الدماغ، لأن عدم التخلي عن هذه القناعات سيولّد سياجا شديدا أو إطارا قويا يمنعك من الفهم. 
 
هذا الإطار القوي يبنى غالبا من كمية الضخ التي يتعرض لها الشخص أو دماغ هذا الشخص من الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه، كلام الناس، المحاضرات، الندوات، المواعظ، الدروس، الروايات، الكتب التعليمية والكتب الأخرى، الإعلام، جماعات الأصدقاء..... إلخ هذا السيول. والذهن يخزن كل ذلك، وتتحول هذه المعلومات المحشورة بالدماغ إلى قناعات وانطباعات واعتقادات من الصعب التخلي عنها. تشبه عملية بناء العقل، بأي كيفية وبأي اتجاه، بناء جسم الإنسان، فجسم الإنسان يتشكل وينمو بالطعام والشراب، ويأخذ الجسم ما يحتاج إليه ليستمر بالنمو ويرمي بالباقي على هيئة فضلات. وبطبيعة الحال لا ينمو الجسم من وجبة واحدة أو وجبتين، بل يحتاج إلى الطعام والشراب باستمرار لينمو؛ كذلك عقل هذا الإنسان، يراكم كل المدخلات التي تأتيه عن طريق المعجم (كلام، محاضرات، دروس، إعلام.... إلخ)، فيتكون لديه إطار مفاهيمي أو ذهني بطريقة معينة وبحسب المدخلات، هذا الإطار عبارة عن انطباعات ومعتقدات.... إلخ، فليس الذهن إلا مجموعة من التصورات أو المفاهيم التي تشكله. وليس من فراغ قول بعض النظريات إن اللغة تخلق العالم.
 
وبطبيعة الحال، فهؤلاء الذين يناقشون مسائل العلم هم مقتنعون تماما بآرائهم، ومقتنعون أن أي فكرة تخالف ما بات مستقرا لديهم فكرة خاطئة وحجة داحضة، مهما كانت وجيهة وصادقة. ولذا، تراهم واثقين كل الثقة من طرحهم، على الرغم من هشاشته وتصدع بنيانه، لدى أي نقاش علمي.
 
وعلى سبيل الإلماع، وحتى تكون هذه الفكرة أكثر وضوحا، نمثل بهذا المثال، يردد البعض حديث ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه. أو الكتاب ومثله معه كما في رواية أخرى، ثم يستنتج بخفة وطيش أن كلام النبي وأقواله جميعا شطر الوحي، يفعل ذلك العقل لأنه قد حشي بهذه الفكرة قبلا، فتتعطل لديه وسائل الإدراك ويتوقف عن التفكير. ولذا، لا يحاول مجرد محاولة وضع أي فرضية أخرى أو تساؤلات أخرى في الموضوع. من مثل: هل كان القرآن ناقصا؟ كيف والله يقول "ما فرطنا في الكتاب من شيء" واليوم أكملت لكم دينكم"؟ وإذا كانت السنة (والسنة عند هؤلاء مرادفة للحديث فهي مجموعة الروايات والأقوال والأفعال المنسوبة للنبي) شطر الوحي، فلماذا لم يكن لها كتّاب (جمع كاتب) كما كان للقرآن كتاب؟ لم لم يكلف هذا النبي مجموعة من الصحابة لتدوين السنة لو كانت شطر الوحي؟ ولم كان الصحابة يمنعون كتابة الحديث بل وروايته لو كان شطر الوحي؟ حتى لا يختلط بالقرآن كما يقول هؤلاء؟ كيف وقد استمر الموقف من الحديث نفسه، حتى بعد أن كتب المصحف في عهد أبي بكر، وحتى بعد أن نسخت نسخ منه ووزعت في الأمصار؟ كيف يجوز لمثل أبي بكر وعمر وعثمان أن يتركوا كتابة الحديث وهو شطر الوحي؟! كيف تركوه نهبا للظنون يتزيد فيه هذا وينقص منه ذاك ويغلط في روايته ذلك؟ هل يعقل أن يكون الحديث شطر الوحي وتقل عناية الرسول والصحابة به إلى ذلك الحد بل والمنع من كتابته وتدوينه؟! 
 
مثل هذه التساؤلات لا يقبلها أولئك النفر من القوم، وكيف لهم أن يقبلوها وقد أحاطوا أنفسهم بمثل ذلك الإطار؟ رواية نسبت إلى النبي، ووجب التسليم بها ويمنع منعا باتا القيام بأي عملية تفكير، أو تحريض للعقل ليضع تساؤلاته وفرضياته بل جعلوا التفكير وإعمال العقل، والعقل أعز ما منحه الله للبشر، جريمة تستدعي العقاب.
 
للأسف، ليس لدينا علماء، وإنما مدونات أو خزانات من الكتب والمعلومات، بالمعنى الحصري لهذه العبارة. 
المنقولات التي يعتمدون عليها في حجاجهم الهش ضعيفة إذا لم تصب في خانة قناعاتهم الجاهزة ومعتقداتهم الموروثة، ومحاولة التفكير وتحريض الذهن والحجاج العقلي شبهات، على المؤمن أن يتخلى عنها. والمضحك والباعث على الشفقة أنهم يتحدثون عن علم وعن منهج! أكثر من ذلك، يتهمون غيرهم ممن يعطي لعقله حق ممارسة وظيفته بأنه عقلاني وهم يقصدون بذلك بأنه يقدم عقله أو صاحب هوى. وقد يتجاسر بعضهم، والحال كهذه، ليتهمك بعدم الفهم. وغدت العبارة: فلان عقلاني تهمة تحط من شأن صاحبها وتزري به. وشر البلية ما يضحك!



قضايا وآراء
انتصار البيضاء