الخميس, 13 مايو, 2021 07:28:52 مساءً

يرى ابن خلدون، أن الأسباب التي تساعد الدول عند قيامها على القوة هي ذاتها من تؤدي إلى سقوطها  عندما تستنفذ أغراضها.

إسرائيل، قامت على التعاطف الدولي، وها هو التعاطف الدولي نفسه اليوم يعمل في اتجاه مضاد للدولة العبرية،  ويكاد يطيح بها، فأصبحت  كل الدعايات الصهيونية  وتبريراتها مثيرة للسخرية شعبيًا في كل دول  العالم، بما فيها أمريكا التي  كانت أكثر الدول تحمّسًا لإسرائيل.

نتيجة الاضطهاد التاريخي الذي تعرض له اليهود عبر 1500 سنة في أوروبا  على أيدي رجال الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تتهمهم طوال  هذه الفترة بقتل السيد المسيح  والربا  وممارسة السحر، ولفقت لهم أيضًا عددًا من التهم  الاجتماعية،  وحتى الطاعون كانت تنسبه إليهم،  فغضب الرب دائمًا ينزل على الأحياء اليـهودية ثم تنتقل منها العدوى  وهم مصدر الشعوذة والهرطقة والإلحاد  وشرب دماء المسيحيين في عيد الفصح (فرية الدم) وكل هذه عبارة عن شائعات نفى أغلبها الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته الموضوعية الرائعة، وصولًا إلى انقلاب مارتن لوثر قائد ثورة الإصلاح الديني الذي امتدح اليهود في البداية في كتابه "المسيح ولد يهوديًا"  ثم انقلب عليهم انقلابًا حادًا في كتابه "اليـهود وأكاذيبهم" الذي يقال، إن النازية والفاشية استندتا إلى كثير  مما جاء فيه لتبرير معاداة السامية.

التعاطف الدولي اليوم يعمل لصالح فلسطين والفلسطينيين لدرجة فشل كل إمبراطوريات الإعلام والإعلام البديل الصهيوني في إقناع الشعوب الغربية بمظلومية إسرائيل التي دخلت قفص الاتهام، وكل يوم تزداد النقمة عليهم من الغرب والشرق حتى باتوا عبثًا  يحاولون الاستقواء بعكاز قوانين معاداة السامية التي استنفذت هي الأخرى كثير من بريقها الحيوي وباتت مادة للسخرية من إسرائيل في الغرب نفسه لم يعد لها معنى.

وهذا يعود إلى أولا:
• فشل الجيل الثاني من الإسرائيليين  في مواكبة المتغيرات الدولية وركونهم إلى تلك التي روج لها أسلافهم.

• تراجع التيارات العقلانية الإصلاحية الإسرائيلية "الهاسكلاة" وتنامي تيار التطرف الأصولي التقليدي الذي يرى ضرورة عودة مملكة إسرائيل كما كانت زمن النبي داوود  وتسريع بناء هيكل سليمان المقدس، وهدم بعض  الآثار الإسلامية والرومانية.

• الإصرار على يهودية الدولة  وأن القدس وليس تل أبيب عاصمة أبدية  لإسرائيل خلافًا لما جاء في قرار التقسيم الدولي عام  1947م و رفض حل الدولتين.

• تجاهل إسرائيل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وهم اليوم بالملايين وعددهم في تزايد مضطرد وفشل توطينهم في دول بديلة ورفض إسرائيل بكل عنجهية تعويضهم وهو ما يذكر العالم كل يوم بالمسألة اليهودية نفسها والشتات الإسرائيلي الذي شكل عبئًا إنسانيًا على العالم.
• تزايد الأصوات الأصولية داخل إسرائيل وخارجها التي تنادي بتطبيق حرفي وليس موضوعي لتعاليم التوارة   وليس المبادئ العامة  التي نادى بها أنبياء إسرائيل كما كانت  تنادي الدعاية الصهيونية، وخلافًا لما تعهد به الآباء المؤسسون للدولة العبرية للعالم، وكل هذا يستفز الإنسان الغربي لأنه يذكره بالتاريخ المظلم للدولة الدينية في القرون الوسطى.

• اتساع الهوّة بين المسيحيين العرب والدولة العبرية التي تعهدت بالقيام بدور الحامية الصليبية في حماية المقدسات المسيحية.
• الرهان على الطوائف كالدروز والبهائيين والعلويين بدأ هو الآخر يفقد زخمه محليًا ودوليًا بعد أن استهلكته الحرب الأهلية السورية وبدأت الطوائف تكتشف أكذوبة الديمقراطية والدولة المدنية العلمانية  الإسرائيلية بعد أن رأوا إسرائيل تؤيد قوى أصولية في السويداء وبني معروف يقتلون أهلهم الدروز  لحسابات سياسية.

وإذا كانت إسرائيل تكتسب قوتها من التأييد والتعاطف الغربي فسيأتي اليوم الذي تخسره تمامًا وقد بدأت ملامح هذا اليوم تلوح في الأفق كلما ازدادت بلطجة وتعنتًا في المنطقة.

وحتى رهان إسرائيل على مخزونها الهائل من الذخيرة والأسلحة الحديثة لن يجدي نفعًا في حروب الجيل الخامس  فكلما قتلت إسرائيل مدنيين أكثر زادت صورتها قتامة وخسرت مبررات بقائها واقتربت أكثر من مصير الإمارات الصليبية التي حكمت نفس المنطقة في القرون الوسطى وانقرضت لأن "الدم يغلب السيف" في الأخير.



قضايا وآراء
غريفيث