السبت, 17 أبريل, 2021 10:49:10 صباحاً

أمام أي عمل، أي برنامج، أي سلوك، أي نشاط بشري، أتساءل: ما هي القيمة النهائية لهذا الأمر، ما هو المعنى الذي يتضمنه هذا الفعل، ما الأثر الجيد، نفسيًا، شعوريًا، عقليًا، لهذا النشاط.. وما لم أجد جوابًا، ولو هامشيًا جدا، أعتبر الموضوع عبثيًا، وفارغًا حتى من القيمة العابرة للتسلية.
تابعت حلقتين من رامز جلال، وفي نهاية كل حلقة، لا أشعر بشيء، فقط يدور في ذهني سؤال وحيد: ما الذي يمثله هذا البرنامج من قيمة حقيقية في حياتنا، الأمر ليس محاكمة قيمية صارمة؛ بل سؤال عن الجدوى، ثم هل الحاجة للتسلية تستدعي هذا الضخ الهائل لموازنة برنامج أظنها تفوق ميزانية أضخم الأعمال الدرامية الخالدة، ألم يكن بالإمكان خلق برنامج فكاهي، دونما حاجة لهذا العبث المجاني بالمال بلا أي مبرر..؟ 
 
حتى بالمعيار المادي للحياة الرأسمالية البحتة، أليس الأمر سلوك غير عقلي وإهدار عبثي للموارد، بلا أي عائد معتبر يبرر الكلفة. 
 
إذا أردت أن تقيّم مستوى وعي لدى إنسان ما، انظر طبيعة الأشياء التي تبهجه، لا أستطيع تجاوز مثاليتي هنا، وأجدني أشك بمدارك أي إنسان يمثل له رامز بهجة حقيقية وأصيلة، الأمر ليس محاكمة للجمهور العادي بمعايير معرفية، لا، لكن ثمة أشياء سخيفة ومجانية وممتعة أكثر من تلك السخافة باهظة الثمن التي يمثلها رامز وبرنامجه..
 
الأمر ليس إدانة للسعودية فحسب، بل وقفة تأملية للنظر في مآل الحياة الحديثة ككل، كيف غدت الحياة فارغة من المعنى.. كيف يتم خلق مصادر مسطحة للإحساس بالمعنى وتُصنع حولها هالة زائفة، كما لو أنها تتضمن قيمة حقيقية بالفعل.. كيف أصبح الكائن مثيرًا للشفقة وهو يحدق في الشاشة بحثًا عن إحساس ما فلا يجد سوى التفاهة المستشرية حوله وفي كل مكان، ولا يجد مانعًا أن يتواطؤوا معهم ويضحك..؟ 
 
حقًا، إذ لم يتلازم الثراء المادي للإنسان، مع ثراء داخلي، يتحول الأمر لتعاسة حقيقية، الهشاشة الداخلية للكائن، تدفعه لتعويض فقر الإحساس بالمعنى؛ باللجوء لخلق مظاهر تسلية شكلية، لا تسد فراغ روحه بقدر ما تضاعف من شقاءه وتوسع الفجوة بينه وبين ذاته.
 
ثمة انحدار حقيقي في القيمة الجوهرية للحياة، رغبة عميقة بتفريغ الإنسان من أي معنى أصيل وحشوه بالتفاهات، ويوما ما سيغدو الإنسان أشبه بآلة متبلدة، أبله ومجوف من الداخل، وفاقدة لأي قيمة مركزية مؤسسة للحياة وحاكمة للعالم. 
السعودية ولجت باب الحداثة من زواياه الأكثر فراغًا وعدمية، تخطت كل القيم التنويرية المهمة للحداثة، وراحت تتمسح بحرية مبددة لذاتها وحداثة تورثها مزيد من الخواء والعبثية. 
 
لا بأس أن يتسلى المرء برامز، لكن من المهم ألا يضفي عليه أي قيمة، احرسوا أنفسكم من أثر التسلية، حين تكون مورثة للبلاهة. 
رامز ليس أكثر قيمة من غازي حميد..؛ لكني أداوم على متابعته، فاغرا فمي كالأبله، ليس لأن برنامجه بذاته يبهجني؛ بل لأهداف أخرى، كما تعلمون.
 


قضايا وآراء
انتصار البيضاء