عائلة عفاش حين أفسدت الماضي والحاضر     تقدم كبير للجيش في الجوف وعشرات القتلى الجرحى في صفوف الحوثيين     محافظ شبوة يدشن أعمال سفلتة مشروع طريق نعضة السليم     هل تفي الولايات المتحدة بوعدها في وقف الحرب باليمن؟     الحوثيون يفشلون مشاورات اتفاق الأسرى والمختطفين في الأردن     ملامح إنهاء الحرب في اليمن والدور المشبوه للأمم المتحدة     معارك ضارية في مأرب والجوف واشتعال جبهة مريس بالضالع     رحلة جديدة في المريخ.. استكشفا الحياة (ترجمة خاصة)     ملامح إسقاط مشروع الحوثي من الداخل     لماذا خسر الحوثيون معركة مأرب وما هي أهم دوافعهم للحرب     حرب مأرب كغطاء لصراعات كسر العظم داخل بنية جماعة الحوثي     أمن تعز يستعيد سيارة مخطوفة تابعة لمنظمة تعمل في مجال رعاية الأطفال     تقرير دولي: التساهل مع مرتكبي الانتهاكات يهدد أي اتفاق سلام في اليمن     الحكومة تدين قصف مليشيا الحوثي مخيما للنازحين في صرواح بمأرب     مرتزقة إيران حين يهربون بالتوصيف تجاه الأخرين    

السبت, 13 فبراير, 2021 03:01:25 مساءً

أربع ثورات معرفية مرت بحياة الإنسان منذ وعى إنسانيته على الصعيد العلمي والمعرفي، فحولت مسار تفكيره وسلوكه؛ الأولى: ثورة الكتابة في صيغتها البداية الأولى، والتي تعود إلى سنة 3500 قبل الميلاد على أصح أقوال المؤرخين، وفي هذه السنة ابتدأت مرحلة جديدة من مراحل التاريخ، أُطلق عليها بداية التاريخ القديم، الذي تلا العصر الحجري، فالبرونزي، فالحديدي، انتهت فترة التاريخ القديم بسقوط روما في العام 476 ميلادية. ومع بداية هذه الفترة عُرفت الكتابة المسمارية في العراق والهيروغليفية في مصر، ثم المسندية في جنوب الجزيرة العربية، كما عُرفت اللغة المصورة في أوروبا في بداية مرحلتها التقليدية. وخلال هذه المسيرة، وهي مسيرة طويلة قطع الإنسان شوطا كبيرا في المعرفة، في صورتها الأولى، خلافا لما كان عليه الحال قبل ذلك في العصر الحجري أو البرونزي أو الحديدي. 
 
الثورة الثانية تتمثل في اختراع أوراق الكتابة وصناعتها وتصديرها. وقد كان الحال مقتصرا في المرحلة التي قبلها على الكتابة في الألواح الطينية وفي رقوق الصخر والجلود واللحاء. وهي عملية معقدة وصعبة للغاية، قياسا إلى لعملية التي تلتها، وهي الكتابة على الأوراق، وإن كانت طبيعة الأوراق آنذاك مختلفة عن طبيعة أوراق اليوم. ولا نستطيع الجزم بتاريخ محدد لاختراع أوراق الكتابة، كما لا نستطيع الجزم بالمكان الذي نشأت فيه لأول مرة، فبعض المؤرخين يعزو البداية الأولى لظهور أوراق الكتابة إلى المصريين، فيما يرى البعض الآخر أن الصينيين هم أول من اخترع أوراق الكتابة. وعلى أية حال فقد سهلت عملية اختراع أوراق الكتابة الأمر كثيرا، فتم تدوين العلوم والأحداث، وتبادل المعارف العامة بين الأمم بصورة ملحوظة عن ذي قبل. وظلت الكتابة على الورق بالقلم قرونا طويلة لدى الجميع. وتذكر كتب التاريخ أن الخليفة العباسي هارون الرشيد استجلب الصينيين من مدينة سمرقند بعد افتتاحها لصناعة الورق في بغداد، ومن ثم حلت الورق بدلا عن الجلود التي كانت تستخدمها الدواوين الرسمية كما يستخدمها العامة. 
 
وكانت الثورة الثالثة في العام 1436م، متمثلة في اختراع الطباعة الميكانيكية في صورتها البدائية لأول مرة، بواسطة المخترع الألماني يوهان جوتنبرج، فكانت اللبنة الثالثة على الصعيد العلمي والمعرفي، وأحدثت نقلة نوعية وكبيرة في انتشار المعرفة وتبادل الثقافات، سواء في الشرق أو في الغرب، ساعية إلى تحسين جودتها بين الحين والحين، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم من تقنيات مذهلة بجهود أقل عما كانت عليه في البداية. والحق أن المطبعة قد لعبت دورا محوريا في عملية التثاقف وتناقل العلوم بين الشرق والغرب وخلق مشهد علمي ثقافي معرفي، ولا يزال للكتاب الورقي هيبته وحضوره حتى اللحظة، لكن مؤشرات المرحلة تقرر أنه لن يصمد طويلا أمام المتغيرات الجديدة، فالشاشة الضوئية غلابة، ولها سطوتها القاهرة، فيما للأجيال الجديدة وسائلهم المعرفية الخاصة. 
 
أما الثورة الرابعة فهي الثورة الرقميّة المعاصرة اليوم والتي نعيش تفاصيلها. صحيح أن هذه الثورة قد ابتدأت بالسينما والفيديو اللذَين مثّلا مدخلا علميا وثقافيا جديدا منذ منتصف القرن الماضي؛ إضافة إلى التلفاز؛ لكن هذه الإضافة ظلت خجولة جدا، كمًا وكيفا، ومقتصرة على المدن دون الأرياف، حتى انفجرت ثورة الاتصالات الجديدة مع مطلع القرن الواحد والعشرين، وظهور عالم الرقميات الذي اكتسح خصوصيات العالم ووصل إلى كل بيت، فبرزت وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف منصاتها، وظهرت خصوصية جديدة للكتاب هي الخصوصية الرقمية "بي دي اف" و "وورد" وأيضا "الخاصية السمعية"، والتي لا تزال في بدايتها اليوم، وصار جهاز اللابتوب يحوي عشرات الآلاف من الكتب التي كانت تحويها المكتبات والغرف المنزلية، فسهلت عملية البحث والاطلاع بصورة لم تخطر على بال أحد من أرباب الثقافة إلى قريب. باختصار.. لقد جاءت إلينا كتب العالم مجانية، بدلا من الذهاب إليها، كما كان الحال سابقا، ولسان حالها: هيت لك أيها القارئ، إلا أن الاندفاع إليها أقل لتعدد الدعوات الأخرى، بمغريات جديدة..!!
 
وتأتي ثقافة الصورة اليوم لتكتسح عالم الناس وعوالمهم مع الشاشات الذكية في جيوب الناس، والتي صارت تستهلكهم أكثر مما يستهلكونها هم. وفيها الغث والسمين، والجيد والرديء، والتي يصح القول عنها: ثقافة السوق المفتوحة، دون قيود، وعلى مبدأِ: "دعه يعمل، دعه يمُر". 
 
نحن اليوم ــ إذن ــ أمام تحولات جديدة في طبيعة الثقافة المستجدة، بوسائلها ومضامينها معا، والأذكى هو الذي يسعى لضبط إيقاع هذا الصخب، والاستفادة من المحتوى الأجود في عوالم السيول الهادرة والضخ اليومي من الإضافات الجديدة. 
 
الشاشات الذكية اليوم هي المتصدر الأول في أسواق المعرفة، بدلا عن الكتاب والصحيفة والمجلة التي تصدرت المشهد خلال ما يزيدُ عن خمسة قرون، وخاصة في القرن العشرين. وثقافة الصورة تتعزز يوما بعد يوم على حساب ثقافة الكلمة، وهو ما يستوجب على صناع الثقافة رسم الاستراتيجيات الجديدة في أدائها، وخاصة مع الدراما التي كادت أن تتصدر المشهد، فهي الأداة الأقرب والأكثر فاعلية في إيصال الفكرة وانتشارها بأقل التكاليف، خاصة مع ميول الجيل الجديد لهذه الخاصية وعزوفه عن الكتاب الورقي، وحسبما تشي مؤشرات المرحلة فإن الكتاب الورقي سيصبح من التاريخ يوما ما، كما هو حالنا اليوم مع الألواح الطينية واللحاء وأوراق البردى التي كانت محل إدهاش وإعجاب تلك الأجيال، وقد تُفاجئُنا قادم السنوات بما لم يخطر على بالنا اليوم. 
 
إن الرقميات الجديدة اليوم لم تعد حكرا على المجال الثقافي والعلمي فحسب؛ بل لقد شملت مختلف مناحي الحياة، وأصبحنا اليوم نسمع عن "المُزارع الرقمي" الذي حل محل اليد العاملة، وصار مدير القطيع عبر حاسوبه في إدارة حظائر الأبقار يعرف صحة جميع أبقاره، وكمية الحليب المتدفق لدى كل واحدة منها، والوقت المناسب لحلبها، بواسطة الشريحة الرقمية المزروعة داخل أذن البقرة. كما نسمع عن "السيارات الرقمية" ذاتية القيادة، والتي تستوجب تخطيطا جديدا وشوارع بمواصفات مختلفة تتناسب مع المدن الذكية القادمة، والذكاء الاصطناعي والروبوت الذي سيستولي على وظائفنا، ورقائق التكنولوجيا التي ستأتي إلينا بالمعلومات، بدلا من أن نذهب نحن إليها، وفي وادي السليكون وحده من عجائب الزمن ما ليس في حسباننا اليوم. هذه حقائق عِلميّة، عَمليّة على أرض الواقع، بعد أن كانت بالأمس القريب ضربا من ضروب الخيال، والقادم أكثر إدهاشا بجديده المتجدد.  
 
إن الجيل القادم مختلف عن جيل اليوم تماما، وتقتضي طبيعة التحولات القادمة الاستعداد لها من الآن بصياغة شخصية المستقبل التي تستطيع الحفاظ على هويتها وشخصيتها التاريخية من جهة، كما تستطيع مجاراة العالم الآخر على نحو متوازِ بين المضمارين. توازِ يجمع بين خصوصية المواطن المحلي، ولكن أيضا بذهنية المواطن العالمي، المواطن الكوكبي، مواطن العولمة وما بعد العولمة، وما لم نتأهب مستعدين لطوفان هذا التغير القادم حتما ستجرفنا عواصفه وأعاصيره غير مأسوف علينا، بمعنى: إن لم نأت بإضافة سنكون نحن إضافة بقيمة صفرية، فالعالم يمضي، ولن ينتظر الكسالى للّحاق به، وسنصبح متاحف متحركة، وكائنات بدائية أمام أبنائنا أو أحفادنا في القريب العاجل الذين سيعتبرون حياتنا التي نشأنا عليها في صغرنا ضربا من الخيال، ومن الأساطير؛ ذلك أن المعرفة والتكنولوجيا في العصر الحديث تتضاعف مرة كل عشر سنوات، ولا ندري ما ذا تخبئ لنا السنوات القادمة، وما ذا يحمل لنا وادي السليكون. باختصار الإنسان هو المستقبل الذي نصيغ شخصيته من اليوم، فهل نحن فاعلون؟!!


غريفيث