معلومات تنشر لأول مرة عن طبيعة لقاء وفد طارق صالح بقيادات محور تعز     هل طيران التحالف يفتح الطريق أمام الحوثي في مأرب؟     14 أكتوبر موعد التحول والمجد.. غوص في التفاصيل     عملية اغتيال ضباط في سيئون من مدينة تعز     "حكمة يمانية" جديد المواقع الفكرية اليمنية     المجتمع يقاوم الملشنة.. صنعاء ليست حوزة إيرانية     احتفائية خاصة بمناسبة مرور 10 سنوات على نيل توكل كرمان جائزة نوبل للسلام     افتتاح رسمي لأول جامعة في محافظة شبوة بعدد من التخصصات العلمية     كيف تغير الصين مستقبل الإنترنت في العالم؟     ارتفاع حصيلة المواجهات بين فصائل الانتقالي إلى 7 وعشرة جرحى     الشرعية حين تساهم في تمدد الحوثيين داخل فراغ ضعفها     26 سبتمبر والحوثيون.. عيدنا ومأتمهم     شهوة الإعدامات بحق اليمنيين لدى الحوثيين عبر تزييف العدالة     إعدامات حلفاء إيران بحق أبرياء يمنيين من تهامة     تقرير أولي عن توثيق بئر برهوت (الأسطورة) في محافظة المهرة    

السبت, 06 فبراير, 2021 01:22:54 مساءً

تتفشى ظاهرة عند كثير من الدعاة أثناء مرور البلدان بعواصف الحرب، ويرددون مقولة اليسار العربي: (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة)، فنلمس لديهم زهداً في المعرفة بحجة الاهتمام بالأولويات، وغرقاً في متابعة الماجريات اليومية، وتبخيساً في الحفر العلمي لأنه بحسب زعمهم يلتهم أوقات الداعية في غير خطوط الإنتاج! وأمثالها من الحجج الغريبة عن روح سلفنا الصالح، بل وعن عادة الأمم الناهضة التي تشجع على الحفر المعرفي صغيره وكبيره.

لم تكن هذه الظاهرة موجودة لدى سلفنا، فقد حكى الفقيه على بن عيسى الوَلْوَالجيُّ أنه دخل على العالم الشهير أبي الريحان البيروني وهو على فراش الموت، فسأله البيروني عن حساب الجدات؟ فقال له الفقيه: إشفاقًا عليه: "أفي هذه الحالة؟ فرد عليه البيروني: يا هذا أودِّع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة. فأجابه الفقيه، وانصرف من عنده، وما هي إلا لحظات حتى توفي البيروني.(بغية الوعاة، السيوطي، 1/51).

وفي بريطانيا لم تشغلهم صواريخ هتلر (في الحرب العالمية الثانية) عن الانكباب على الكتب والمكتبات المهدمة، لأن خط الحضارة أولى من الانهماك الكلي في الحرب، حيث للحرب ضباطها وعساكرها وليس من الحكمة أن ينشغل بها بقية الناس.

وقد وجدت الكثير من المبدعين كتبوا أجمل إنتاجهم الفكري أثناء الأزمات والحروب، فمنهم مؤسس علم نفس المعنى اليهودي النمساوي " فيكتور فرانكل" الذي ألهمته التجربة القاسية في معتقلات النازية أن يؤسس لفرع جديد في علم النفس.

ومن الذين أبدعوا في فترات الحروب الأستاذ "العقاد" حيث ألف درة كتبه (عبقرية عمر)، وهو مختبئ في الخرطوم فراراً من جيوش النازية التي وصلت طلائعها إلى العلمين (على بعد 90 كم غرب مدينة الإسكندرية).
وكتب بديع الزمان سعيد النورسي حزمة من كتبه وهو يجاهد الروس في حرب الاستقلال.

وفي بريطانيا شهد العالم ولادة أول كمبيوتر أثناء الحرب العالمية الثانية على يد عالم الرياضيات البريطاني " آلان تورنغ" ليفك شيفرة القوات النازية، ويكبدهم خسائر فادحة.
لقد أدرك عنصر التفوق "فرانسيس بيكون" حين صرخ قائلاً: (المعرفة قوة)، فتوجهت جموع القوم إلى عشق المعرفة والإقبال عليها.
بينما يلف شبابنا زهد غريب، واهتمام موهوم بالعمل والتنفيذ، ويروج الشعار الغريب (هل نحن قوم عمليون)؟

ومن أغرب قصص المعرفة ما ذكره الكاتب الأمريكي " أبراهام فلكسنر" في كتابه (المعرفة عديمة الفائدة) عن سيدة أعمال أمريكية أرادت أن توقف شطراً من أموالها للبحث العلمي، فأرشدها "أبراهام" إلى تخصيصه في العلوم التي لا ترتبط بالمخترعات، بحيث نوسع دائرة المعرفة للمعرفة فقط ولفهم الطبيعة، وكان حقل فيزياء "الكوانتم" هو الحقل العقيم آنذاك، وتنفر الشركات من تمويله، لأن البحث فيه لا طائل من ورائه، فاقتنعت بالفكرة، وأنشأت معهداً لتمويل ذلك الفرع العقيم من المعرفة، فهرع إليه علماء الفيزياء من كل أنحاء العالم، وتفجرت من تحت سقفه بحوث فيزياء الكم التي منحت أمريكا السيادة العالمية في الرقميات بعد نصف قرن من وقف السيدة الواعية بأهمية المعرفة، حتى زعم مؤلف قصة المعهد أن 40% من الناتج المحلي لأمريكا اليوم، بفضل بحوث ذلك المعهد الذي احتضن الحقل العقيم، كما كان يسمى.

فانظر إلى أثر المعرفة، وكيف منحت الأمريكان ريادة العالم في الكوانتم، وهي فيزياء لا تزال في بواكيرها حتى اللحظة، ولها مستقبل واعد ترمقه البشرية بعين متشوقة.

ولعلماء الحفريات قصص غريبة في تكريس العمر حول أشياء تبدو لنا تافهة، ولكنها تؤول إلى منح خبر التاريخ وثيقة علمية تمنح الشعب ثقة بالنفس واعتزازا بماض له أثر، وما قصة (حجر رشيد) عنا ببعيد، فلم ينشغل "نابليون" بغزواته العسكرية في مصر، بل أخذ معه جيشا من العلماء( 150 عالماً و2000 فنان ورسام وتقني)، فكتبوا أكبر موسوعة عن مصر آنذاك لا تزال ملهمة حتى اليوم، واكتشفوا كنوز تلك الحضارة العجيبة، ومن بينها (حجر رشيد) الذي يعتبر مفتاح فهم اللغة الهيروغليفية المصرية القديمة، وعلى إثر اكتشافه فهم العلماء لغة حضارات مصر القديمة وأسرارها.
ما أحوجنا لهجر حالة الزهد المعرفي، وفتح الباب على مصراعيه أمام كل سؤال، دونما تبرم وضيق، ونردد مع محمد إقبال:
ير الفكر يقود العملا
مثل رعد بعد برق جلجلا
 



قضايا وآراء
انتصار البيضاء