السنة والحديث.. جدلية الاتفاق والاختلاف     مجزرة جديدة في مأرب بصواريخ وطائرات مسيرة أطلقها الحوثيون     أطفال مأرب في تضامن مع أسرة الشهيدة "ليان"     الحوثيون مشروع للموت وبرنامج للحرب لا للسلام     حصيلة نهائية لمجزرة استهداف الحوثيين لمحطة في مأرب بصاروخ باليستي     حادث مروري مروع ينهي عائلة كاملة في محافظة لحج     سفير الإمارات في خدمة "الإخوان"     قراءة في تأزم العلاقات بين واشنطن واسرائيل     قناة بلقيس تعبر عن أسفها لبيان صادر عن أمين نقابة الصحفيين     ترحيب دولي بتشكيل لجنة للتحقيق في انتهاكات إسرائيل في غزة     احتجاجات مستمرة في تعز للمطالبة بإقالة الفاسدين     أول تقرير للعفو الدولية حول المختطفين وسجون التعذيب لدى الحوثيين     وزير الصحة ومحافظ شبوة يفتتحان وحدة معالجة المياه بمركز غسيل الكلى بعتق     الحكومة تنتقد قرارات واشنطن التصنيف الفردي للحوثيين بقوائم الإرهاب     حفل تكريمي لشعراء القلم والبندقية في مأرب    

السبت, 30 يناير, 2021 11:01:29 مساءً

محمد اللطيفي
"أولئك الذين لا يستطيعون تذكر الماضي محكومون بقدَر تكراره". قال هذه الجملة الفيلسوف الأمريكي من أصول إسبانية جورج سانتايانا في العام (1905)، كان العالَم حينها يتهيأ لصراعات طويلة الأمد، ولكن الأطراف المتعادية لم تأخذ تحذير الفيلسوف مأخذ الجد، لم تتذكر الماضي جيداً، ما جعلها تذهب باتجاه خوض حرب عالمية أولى (1914 - 1918).

النتائج الكارثية لهذه الحرب العظمى فرضت توقيع معاهدة فرساي (يونيو 1919)، ومع ذلك فإن الموقعين على هذه الاتفاقية صاغوها بلغة المنتصر، دون مراعاة العوامل التي مهدت للحرب ودون خلق تسويات عادلة للمنهزم فيها، لقد وضعت اتفاقية فرساي حدا للحرب الأولى لكنها لم تنه أسبابها، لقد تم نسيان الماضي مرة أخرى، وهو ما أدى لانفجار حرب عالمية ثانية (1939-1945).

 التدمير الكبير الذي أحدثته الحرب الثانية، جعل زعماء الولايات المتحدة الأمريكية يتأملون بعناية في أخطاء معاهدة فرساي، وذهبوا باتجاه صياغة العلاقات بين بلدهم والدول الكبرى، وضعت في الاعتبار تذكر أخطاء الماضي، وهو ما خلق استقرارا سياسيا في الدول التي تشكل الآن ما يعرف "بالمجتمع الدولي"، وهو الاستقرار الذي جعل الدول المتقدمة تتفرغ للتنمية والعلم وقيادة العالم.

 عند التأمل في سيرة الدول العظمي، منذ زمن ما بعد الحرب البادرة وحتى الآن، سنجد أنها تخوض صراعاتها فيما بينها وعيونها مصوبة نحو أحداث الماضي، وتحرص عند خوض نزاعات دبلوماسية واقتصادية وتكنولوجية أن لا تكرر أخطاء العقود السالفة، وتتجنب الوصول إلى حروب عسكرية. لقد توصل صناع القرار العالمي لتفاهمات حول كيفية إدارة الصراعات الاقتصادية بعيدا عن الحروب الدموية، وثقت في المؤتمر الاقتصادي العالمي (1971).

  حكمة "تذكر أخطاء الماضي"، أضحت حكمة سياسية لدى قادة المجتمع الدولي، تدار بها المصالح الدولية وحتى الخصومات بالطرق الدبلوماسية والأدوات الناعمة، مع حرصهم على نقل تجارب السلاح والصراع عبره ومن خلاله إلى مناطق الشرق الأوسط.

 على ذات المسار الزمني التالي للحرب العالمية الثانية وحتى اللحظات الراهنة، فإن هذه الحكمة الاستثنائية؛ تذكر الماضي لتجنب تكراره، لم تجد طريقها إلى البلدان العربية؛ خصوصا منها تلك التي تتربع على خطوط النفط وأنابيب الغاز، تكرار الماضي في علاج مشاكل الحاضر بل في تشكيل المستقبل، هو السياسة الثابتة والصلبة التي يتم السير عليها في المنطقة العربية، حتى ولو على حساب دمار البلدان ونزوح وتجويع الشعوب.

 لقد مرت حروب كثيرة داخل المنطقة العربية، ومرت أحداث عظيمة الشأن، ولكن العقلية العربية لم تتغير، يمكن النظر إلى طريقة تعامل السعودية والإمارات؛ مثلا، مع الحدث الأهم والمتمثل بـ"الربيع العربي"، لقد اتخذت الدولتان سياسات دموية ضد حلم الشعوب بالتغيير السلمي، واعتمدت تلك السياسات على دعم الانقلابات والحروب الصغيرة وتشكيل المليشيات المضادة للحكومات الشرعية، وصياغة اتفاقات سياسية لخلق الأزمات، بهدف حماية التفتيت والتجزئة والتقسيم.

ومع أن هذه السياسات لم تحقق مراد عاصمتي الثورة المضادة؛ الرياض وأبوظبي، بل خلقت تهديدات وجودية للعاصمتين، وحولت المنطقة العربية إلى ماراثون للفوضى، وكانت النتيجة ذهاب أغلب العواصم العربية لصالح نفوذ إيران، إلا أن الدولتين الخليجيتين تصران على الاستمرار في سياسة جر الماضي بأخطائه إلى الحاضر بهدف تشكيل مستقبل الدول العربية، التي تقع الآن رهينة نفوذين متصارعين؛ واشنطن وطهران.

 لقد أفرزت التجارب السياسية في العالم؛ قديمة وحديثه، نوعين من الدول والكيانات والجماعات وحتى الأشخاص؛ أولئك الذين يستطيعون تذكر الماضي، وأولئك الذين لا يستطيعون تذكره، وقد نجا الصنف الأول من الوقوع في أسر كوارث الماضي وفخ مجازره، وبقي الصنف الثاني؛ أسير أخطاء الماضي ومحكوماً بتكراره، وأغلب الصنف الأخير من دول العالم الثالث ومنها الدول العربية، ويمكن النظر لما يحدث في سوريا والعراق وليبيا ولبنان ومصر واليمن، وتأمل كيف يكرر العرب ماضيهم الدموي، بفخر قومي ودفاع ديني وغباء لا مثيل له، وكيف هي حياة هذه الدول محكومة بـ "قدَر تكرار ماضيها".



قضايا وآراء
غريفيث