الأحد, 27 ديسمبر, 2020 09:18:29 صباحاً

إن كنت سياسيا فإنك ستجد كل شيء يهمك في مواقع التواصل الاجتماعي، وإن كنت لاعب كرة فأنت في مكان البحث الصحيح، وإن كنت تناضل من أجل إيقاف هجرات الطيور التي لا تعرف اسمها فإنك بالتأكيد ستنجح، وإن كنت معتقدا أن الإنسانية تنحدر فستجد مثلك الآلاف، وإن كنت تعتقد أن مرض كورونا هو كذبة سياسية اخترعها القادة في غرفة مغلقة للسيطرة على العالم فآخرون بالملايين يشاركونك ذلك، وفكرة الأرض المسطحة بدأت تتسع أكثر وتعقد الآن مؤتمرات عالمية.
 
أمام كل فكرة في العالم ستجد الكثيرين ممن يؤسسون تلك الصفحات لمناهضة تلك الفكرة، إن كنت قد أسست صفحة لدعم فكرة ذهاب الطالب إلى المدرسة، فستجد مئات الصفحات لمناهضة ذهاب الطالب إلى المدرسة.
أمام كل شيء جميل ترى مئات الأشياء القبيحة.
 
تصاغ هذه المواقع بناء على ماذا يعجبك، لا بناء على ما هو المفترض أن ترى.
 
في كل قرن من القرون تنشأ لدى البشرية قضية من القضايا ينشغل بها الناس، تحاول العقول الكبيرة التفكير والانشغال بها، تأخذ عقولهم وتملك حياتهم.
في القرون السابقة نشأت الفلسفة، ويبدو أن سؤال الحقيقة ـ أي حقيقة الأشياء ـ ظل هاجس البشرية لقرون عدة، من هنا تطورت الفلسفة، تطورت من سؤال الإنسان الدائم وبحثه المستمر عن الحقيقة.
في القرن العشرين كان السؤال السائد في ميادين العلوم هو عن ماهية الأشياء، كان القرن بكامله بعلمائه ومفكريه وكتابه وسياسيه يحاولون الإجابة عن سؤال ماهية كل شيء، حاولوا الدخول إلى الأفكار والمخترعات والظواهر لمعرفة من ماذا تتكون على حدة كل تلك الأشياء.
في القرن الحادي والعشرين مع امتلاك الإنسان لأدوات التكنولوجيا بشكل غير مسبوق كان أحد أبرز سماته تسارع الزمن، فحتى الآن لا أستطيع أن أرى ما هو سؤال القرن الذي سيشغل الإنسان في هذا العصر.
 
ويبدو أن أحد تلك الأسئلة والتي لن تستمر ربما لأكثر من عقد هو الحديث عن الشعبوية والنخبة.
 
يمتلك اليوم كل الناس القدرة على التواصل الاجتماعي والقدرة على التأثير في المجتمعات والأشخاص وحرف مسار التفكير، يؤرق النخبة أنها لم تعد قادرة على السير في هذا الطريق. هذا الطريق الصعب والخطر والمجهول.
 
إن مصطفى المومري ليس شخصا بل مرحلة بكامل تفاصيلها، بكل تفاهتها وضعفها ولا عقلانيتها ولا ذكائها ولا خبرتها.
 
الشعبوية في الحقيقة لم تتكاثر، وليست جماهيرها بأوسع مما كانت عليه مقارنة بحجم الشعبويين من أعداد البشرية في كل زمن من الأزمان.. المشكلة اليوم تتجلى في أنها امتلكت أدوات التأثير والتواصل، واستخدمت على نحو غير مسبوق كل التكنولوجيا لتؤسس منصات كبيرة تجمع كل تلك التيارات التي لم تكن تؤثر في معظم فترات التاريخ البشري على حياة الإنسانية.
 
لم تؤثر الشعبوية على التاريخ الإنساني إلا في هذا الزمن، وإن كل تلك الجماهير كانت تعيش في أزمان سحيقة منشغلة بالحياة اليومية، والبحث عن السعادة في صورها المتعددة، الطعام، اللذة، الحب، المال.
 
الشعبوية اليوم تنتصر على المستوى السياسي، التيارات الشعبوية بدأت تصل للحكم، ترامب، جونسون، والكثير من التيارات لديها جمهورها الواسع، لكن ليست لديها أي فكرة عن المستقبل.
 
مَن قاد التاريخ هم أولئك الملوك والعلماء والمفكرون والفلاسفة والسياسيون، وحين تقرأ أن الناس على دين ملوكهم، فإن هذه المقولة تنطبق على تلك الأجيال تمام الانطباق باستثناء اليوم.
 
هذه المقالة ليست دعوة للتفكير في أن يلتزم الناس دين ملوكهم أو حياتهم أو تفكيرهم، هي دعوة أخرى لتُصاغ وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة أخرى، تكون فيها المعايير الإنسانية هي الهدف الأول، لا أن يتحول الإنسان إلى بطاقة إعلانية أو مساحة دماغ فارغة وقابلة للملء بأي شيء أو التأثر بأي فكرة.


قضايا وآراء
غريفيث