مصرع 9 حوثيين في تعز بغارة للتحالف     واشنطن تكثف جهودها لوقف الحرب في اليمن وغارات ليلية في صنعاء     الأعياد الوطنية.. ذاكرة شعب وجلاء كهنوت     قبيلة حجور تصدر بيانا حول اعتقال النقيب خليل الحجوري من قبل التحالف     "التهاني".. كجريمة بحق اليمن!     مؤامرة السهم الذهبي والمحافظة المزعومة     واشنطن تدين عودة مليشيا الحوثي إلى اختطاف موظفين في سفارتها بصنعاء     قصة الصرخة الحوثية "الموت لأمريكا"     فريق طبي بمستشفى يشفين ينجح في إجراء عملية معقدة لأحد المرضى     مركز المخا للدراسات الاستراتيجية يستضيف ورشة حول العلاقات اليمنية الصومالية     قراءة في دوافع انسحاب القوات المشتركة من الساحل الغربي ( تقدير موقف)     الإعلان عن تأسيس أول منظمة عالمية SYI للدفاع عن المهاجرين اليمنيين خارج وطنهم     معلومات وتفاصيل تكشف عن الأسباب الحقيقية لانسحاب القوات المشتركة المفاجئ في الحديدة     محمد آل جابر بريمر اليمن     تحرك دولي ومحلي واسع للتحقيق مع رئيس الوزراء معين عبدالملك في أكبر قضايا فساد    

الجمعة, 25 ديسمبر, 2020 06:53:03 مساءً

 
في أحداث السنوات الأخيرة في اليمن، وهي أحداث عنيفة وقوية تضاربت فيها المواقف واختلفت المصالح، وأنتجت خطابات مختلفة ومتناقضة في الآن نفسه، برز منها خطابان، أو قل اتجاهان شكلا خطابين مختلفين ومتناقضين، أما الأول فهو اتجاه سلالي طائفي يستند إلى مقولة آل البيت ويستدعي النصوص التي تصب في خانة هذا المصطلح مدعيا أنه الأحق في حكم اليمنيين، ويذهب إلى أبعد من ذلك حين يدعي ويقرر أن هذا الحق حق إلهي، وأنه سلب منهم وآن له أن يعود إليهم، هذا الخطاب المتطرف وهذا التهييج العنيف للمشاعر والتعالي على بقية اليمنيين من لدن هذه الطائفة خلق حالة من الاحتقان الشديد لدى اليمنيين عموما، فراح هؤلاء يبحثون عن مقاربة جديدة، عن طوق نجاة، عن فكرة أخرى يجابهون بها فكرة ادعاء الاصطفاء الإلهي تلك التي يتمترس خلفها الحوثيون، ويناضلون في سبيلها ففكروا ولم يلبثوا أن أمدهم التاريخ بفكرة جديدة ليهديهم تفكيرهم إلى مقولة الأقيال والعباهلة والأذواء، وقل ما شئت، بعد ذلك، من ألقاب ملوك اليمن القدماء، لقد طفق هؤلاء يبحثون عن مجد مطمور خلف غبار التاريخ، وحالة راهنة قاسية وبشعة، وجد فيها اليمني ذاته ممزقة تحت رحى الحرب وكبرياءه مهيضا ومكسورا بمعاندة الأيام! وأيا يكن فقد خلقت هذه الفكرة خطابا مناهضا ومدعيا أيضا، يدعي هذا الخطاب أن أصحاب الخطاب الأول غير يمنيين وهي، في تقديري، فكرة غير ناضجة لأنها تواجه الخطأ بالخطأ، والتهافت بالتهافت، وتجرد فئة من اليمنيين من جنسيتهم؛ فهؤلاء الذين يدعون الاصطفاء الإلهي من دون سائر اليمنيين هم من مواليد اليمن أيضا، فيها ولد آباؤهم منذ قرون، فكيف تسلبهم يمنيتهم وتنزع عنهم هويتهم؟ حتى ولو نفوها هم عن أنفسهم، في عصر تمنح الدول المتحضرة جنسياتها للمرء بعد سنوات قليلة!
 
لا يشك المرء للحظة أن ادعاء الاصطفاء الإلهي فكرة متهافتة من داخلها وداحضة، ولا تملك القدرة على الصمود والتحدي أمام أي نقاش عملي وجاد، ولكن هذه الفكرة، على تهافتها الكبير وتداعيها الواضح، استطاعت خلق فكرة لدى الطرف الآخر، هي الأخرى متهافتة، فكيف استطاع الحوثيون جر خصومهم إلى هذا النوع من الجدل السفسطائي، وما الغاية منه؟! فيما أحسب أن من غايات هذا الخطاب المستند لمقولة آل البيت أن ينسوا الشعب قضيتهم المركزية، أن ينسوهم الانقلاب برمته وما نتج عنه، وبدلا من أن يتفرغ اليمنيون لمجابهة الانقلاب، خلقوا لهم قضية أخرى وحرفوا جزءا من اهتمامهم في مسارات أخرى.
 
هل عدم اليمنيون وسائل أخرى للخروج من هذا التيه، ومجابهة فكرة الاصطفاء الإلهي بفكرة جامعة وأكثر نضجا؟!
 
يقول أولئك نحن آل بيت الرسول، وهي مقدمة أو حجة يستتبعها نتيجة، جِماعُها أنهم الأعلى والأحق بحكم اليمنيين، ويرد هؤلاء أنتم أصلا غير يمنيين، وهي حجة متهالكة أيضا، ولا علاقة لها بالحجة المقابلة، وتنم عن عجز واضح في رد حجة الخصم على تهالكها وعدم تماسكها.
 
لا مراء أن الاعتداد بالذات والهوية جزء من شخصية الأمم القوية، ولكن هذا الاعتداد وهذا الانتماء القوي لا يعنيان سلب الآخرين هوياتهم لمجرد أنهم يقولون إنهم أصحاب اصطفاء إلهي وعوائل منتخبة. ليس من متطلبات الانتماء إلى الشيء نفي ذات الشيء عن آخرين، هذه الجملة المكثفة على بساطتها، تكاد تكون معيارًا دقيقًا لأي نقاش من هذا النوع. ومن تطبيقات هذه الجملة أنه لكي تكون يمنيا معتزا بذاتك وهويتك أو قوميتك فمن غير الضروري نفي هذا الانتماء عن آخرين ولد آباؤهم وأجدادهم في البقعة الجغرافية التي ولدت ودرجت فيها أنت وولد فيها آباؤك وأجدادك، ويتحدث اللغة التي تتحدث بها أنت. 
 
إن الأزمة التي نعيشها نحن- اليمنيين اليوم- لا علاقة لها بالجدل السفسطائي حول إثنياتنا وقومياتنا وجذورنا الأولى، ولكنها أزمة حكم، وأزمة انقلاب، وأزمة دستور وقوانين صادرها هذا الانقلاب، وأزمة خبز وصحة، ومن ثم فالخطاب يجب أن يتمحور حول هذه القضايا، على أن لنا خطابا آخر يجب أن يستثمر في هذا الاتجاه، هو خطاب المساواة والعدالة والقانون بين كل اليمنيين، ومن ثم فأي طائفة تخرق هذا النظام وتستدعي تمثيلات أو عناوين أخرى كالسلالة أو الطائفة أو المنطقة أو سواها من الانتماءات الضيقة فإنها تحدث خرقا في سفينتنا وحاملنا جميعا، ومن ثم يتحتم على كل اليمنيين مواجهة هذا الخرق والوقوف أمامه بقوة وإصرار.
 
الغاية التي يطمح إليها هذا المقال هي التأسيس لاتجاه ثالث بخطاب ثالث، ينطلق من الذات اليمانية وهي ذات مكتنزة بالمجد والتاريخ، ولا يسلب الآخرين هذا الحق وهذا الانتماء، خطاب ينصهر فيه كل اليمنيين مهما اختلفت مذاهبهم، وتباينت آراؤهم، ومهما تعددت جذورهم الأولى، ويركز على أصل المشكلة ويلامس القضية اليمنية بحكمة ووعي.


قضايا وآراء
انتصار البيضاء